نفسك ، صنعتنا بيديك ، وأفضت على موادّنا صورها الكمالية ، وأنشأتنا في أحسن تقويم . فيك عرفنا أنفسنا ، وبك عرفناك ، وبك عرفنا العالم أجمعين . فعلمك بنا كما لا يخفاك علم من طريق الموجب ، وعلمك بذاتك وثقتك بقدرتك وإرادتك ، فعنك صدرنا ، وإليك إليك المآب » « 1 » .
وفيمكان آخر يصف أُستاذه هكذا :
« فإنّي لو قلت : إنّ ما آتاه اللَّه من قوّة الذهن وسعة العقل ونفوذ البصيرة هو أقصى ما قدّر لغير الأنبياء لكنت غير مبالغ » « 2 » .
أخذ السيّد جمال الدين يدرّس العلوم العقليّة ، وكان محمّد عبده أوّل الملتحقين بحلقات دروسه تلك ، وكان يشجّع بقيّة الطلبة على الاشتراك في حلقات هذه الدروس .
صحب محمّد عبده السيّد جمال الدين منذ عام 1287 ه ، حيث إنّ هذا التاريخ هو تاريخ قدوم السيّد إلى مصر . . ومنذ ذلك الوقت أخذ يتلقّى عليه بعض العلوم الرياضيّة والفلسفيّة والكلاميّة ، وأخذ مشايخ الأزهر والجمهور من طلبته يتقوّلون عليه وعلى طلبته الأقاويل ، ويزعمون أنّ تلقّي تلك العلوم قد يفضي إلى زعزعة العقائد الصحيحة ، وقد يهوي بالنفس في ضلالات تحرمها خيريّ الدنيا والآخرة .
فكان إذا ما رجع الشيخ محمّد إلى بلدته في قرية أُورين يعرض ذلك على الشيخ درويش الذي كان يقول له :
« إنّ اللَّه هو العليم الحكيم ، ولا علم يفوق علمه وحكمته ، وإنّ أعدى أعداء العليم هو الجاهل وأعدى ، أعداء الحكيم هو السفيه . وما تقرّب أحد إلى اللَّه بأفضل من العلم والحكمة ، فلا شيء من العلم بممقوت عند اللَّه ، ولا شيء من
هامش
( 1 ) الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمّد عبده 1 : 625 .
( 2 ) المصدر السابق 1 : 352 .