. . . . . . . . . .
شرح
هذا وقد سبق من بعض مشايخنا قدّس سرّه الاستدلال على عبادية الصوم بما تضمن أنه مما بني عليه الإسلام ، مع ضرورة أن الإسلام لا يبنى على مجرد الإمساك ، بل خصوص ما كان منه عباديا . وقد جعل ذلك دليلا في المقام على عبادية الصوم بتمامه .
لكن تقدم إن ذلك لا يزيد على الضرورة على عبادية الصوم ، واللازم الاقتصار فيها على المتيقن .
ومثله ما ذكره قدّس سرّه من أن الكلام هنا ليس في نية التقرب بالصوم ، بل في أصل نية الصوم وقصد عنوانه ، وقصد عنوان العمل مما يتوقف عليه حصول المأمور به ، إلا أن يثبت من الخارج عدم الحاجة لذلك ، وترتب الغرض على ذات العمل .
إذ فيه : أن اعتبار قصد عنوان العمل المأمور به أيضا يحتاج إلى دليل ، وحيث ثبت اعتبار ذلك في الصوم ، واختلف في أمده ، فاللازم الاقتصار فيه على المتيقن .
فالعمدة في المقام : أن الصوم عرفا وشرعا ليس مجرد ترك المفطر ، بل القصد إلى ذلك ، ولذا يصدق مع فعل المفطر جهلا أو نسيانا ، ولا يصدق بتركه من دون قصد إليه ، فهو متقوم بالقصد . وحينئذ فظاهر قوله تعالى :فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ« 1 » . لزوم الصيام بالمعنى المذكور من ظهور الفجر إلى الليل وإشغال النهار كله بذلك . وهو مقتضى إطلاق قوله تعالى :كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ« 2 » ، وغيره مما تضمن الصيام في اليوم ، وصيام اليوم ، من الآيات والنصوص الكثيرة . فيكون ذلك هو الأصل في الصوم ، ما لم يثبت الاجتزاء بنية الصوم في أثناء النهار ، واحتساب ما سبق من الإمساك من دون نية منه .
هذا بالإضافة إلى نية الصوم ، التي هي محل الكلام في المقام . وأما كون الداعي لذلك هو التقرب ، وامتثال الأمر الشرعي به ، فهو مفروغ عنه ، تبعا للمفروغية عن
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية : 187 .
( 2 ) سورة البقرة الآية : 183 - 184 .