وأما الثاني وهو التفصيل بين العين والدين فوجهه أنّ العين مشتركة بينهما ، وإفراز الغريم ، لا يخرجها عن الإشاعة من دون رضا الشركاء فتبقى على إشاعتها ، وهذا بخلاف الدين فإنّ ذمّة الغريم مشغولة بكلّ واحد من الشركاء على نحو الاستقلال فإفراز سهم واحد منهم ، يتوقَّف على نيّة الدافع ، وذلك لأنّ المفروز ملك للدافع بالأصالة ، وإنّما يخرج عن ملكه إذا أدّاه بنيّة الدين ، فلو أخرجه عن ملكه بنيّة أنّه سهم الحالف يكون ملكاً له ، ويتشخّص جزء من الدين الكلّي في المقبوض .
والحاصل فرق بين العين والدين ، فإنّ تقسيم الأولى ، وتشخّص مال كلّ واحد في المقبوض يتوقّف على رضا المشاركين ولا يكفي رضا الدافع ، إذ لا دور له في إفراز مال الغير المشخّص ، وهذا بخلاف الدين فإنّ ذمّته مشغولة بكلّ واحد منهم بمقدار سهمه ، وليس إفراغ ذمّته بالنسبة إلى واحد منهم ، متوقّفاً على إفراغها من الفرد الآخر وتعيّن جزء من ماله ، يتوقّف على تمليكه والمفروض أنّه ملّكه للحالف ، دون الآخر وكون أصل الدين مشتركاً أو مشاعاً ، لا يمتنع تعيّن ما دفعه للحالف .
وأمّا الثالث : فما ذكر في الدين لا غبار عليه ، لكن الكلام في اختصاص المقدار المقبوض من العين للحالف ووجهه أنّ العين وإن كانت مشاعة ولا تخرج عن الإشاعة بنيّة الدافع ، لكن لمّا كان في وسع الناكل أن يحلف ويستنقذ سهمه ولكنّه امتنع بلا وجه يكون حكم الحاكم في مورد تمّت الحجّة فيه للحالف ، تقسيماً قهرياً للعين المشاعة لأنّ المفروض أنّه يحكم بأنّ المقبوض للحالف ، دون الناكل ، ومعنى صحّة الحكم هو التقسيم القهري .
أضف إلى ذلك أنّه لولاه يلزم الضرر على الحالف لعدم إمكان أخذ حقّه بدون إذن الشركاء .
وما ذكرناه من تعيّن المأخوذ للحالف من الدين يطابق القاعدة ولا يخالفه
نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغراء — صفحة 538
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٣٨