ولو لم يجز فرض الرزق لتعطّل وضاعت الحقوق ، فأمّا الاستئجار عليه فلا يجوز قال عمر : لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجراً وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافاً وذلك لأنّه قربة يختصّ فاعله أن يكون في أهل القربة فأشبه الصلاة ولأنّه لا يعمله الإنسان عن غيره وإنّما يقع عن نفسه فأشبه الصلاة ولأنّه عمل غير معلوم فإن لم يكن للقاضي رزق فقال للخصمين : لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقاً عليه جاز ويحتمل أن لا يجوز . انتهى . « 1 »
هذه هي كلمات الفقهاء وهي تعرب عن اختلافهم إلى أقوال ثلاثة والمختار عندنا جواز الارتزاق من بيت المال مطلقاً والمقصود من بيت المال هو البيت الذي يجمع فيه ما يصرف في مصالح الإسلام والمسلمين وليس له مصرف خاص كالأنفال والجزية ، والخراج والمقاسمة ، والمال الموصى مصرفه في مصارف البرّ والقسم الخاص من الزكاة الذي يصرف في سبيل الله .
وأمّا الزكاة وسهم السادات من الخمس والمظالم واللقطة ممّا لها مصارف خاصة فلا يطلق عليه بيت المال ، والقاضي يرتزق من الأوّل دون الثاني والحقّ الجواز مطلقاً بوجهين :
الأوّل : جريان السيرة بين المسلمين حيث إنّ القضاة كانوا يرتزقون من بيت المال ، وقد عرفت كلام ابن قدامة في ارتزاق عدّة في زمن الخلفاء من بيت المال ، وعليها سار الإمام علي عليه السلام في عهد خلافته ، وكان شريح يرتزق من بيت المال ويأخذ في كل شهر شيئاً قليلًا ولمّا بلغ عليّاً أنّه ابتاع داراً بثمانين ديناراً ، استدعاه وقال له : بلغني أنّك ابتعت داراً بثمانين ديناراً وكتبت لها كتاباً ، وأشهدت فيه شهوداً . . . ثمّ لامه وذمّه . « 2 » وما هذا إلّا لأنّ الإمام رأى أنّه ابتاع داراً فوق ما يرتزقه من الإمام فصار مظنّة دفع الثمن من حرام وحلال . وروي أنّ عليّاً ولّى شريحاً
و
هامش
( 1 ) ابن قدامة : المغني 10 / 124 .
( 2 ) نهج البلاغة : قسم الرسائل ، برقم 2 .