تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الأربع — صفحة الرسالة الثالثة 62

مساهمون:

صالرسالة الثالثة ٦٢
يلاحظ عليه بأحد أمرين : الأوّل : أنّه ملكة بسيطة ذات مراتب متعدّدة ، فهناك مرتبة يمكن بها استنباط المسائل السّهلة أو مسائل كتاب واحد كالإرث أو الدّماء الثلاثة وهناك مرتبة يمكن بها استنباط المسائل الصعبة المعضلة . فكونها بسيطة لا ينافي انّها ذات مراتب تختلف شدَّةً وضعفاً . الثاني : أنّ الاجتهاد ليس ملكة واحدة ، بل هناك ملكات مختلفة ومتعدّدة ، فإنّ ملكة الاستنباط في باب المعاملات غيرها في باب العبادات ، والاستنباط في قسم من مسائلها يبتني على معرفة القواعد الفقهيّة والارتكازات العرفيّة في تلك المجالات من دون حاجة إلى معرفة فنّ الحديث ورجاله وأسناده وكيفيّة الجمع بين متعارضيه ، وهذا بخلاف أبواب العبادات فإنّ الاستنباط فيها لا ينفكّ عن هذه الأُمور وغيرها ، وعليه تكون ملكة الاستنباط فيها ملكتين لا ملكة واحدة ، ولا مانع من حصول إحداهما دون الأُخرى ( « 1 » ) . قال الغزالي : « وليس الاجتهاد عندي منصبّاً لا يتجزّأ . . . فمن عرف طريق النّظر القياسيّ فله أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهراً في علم الحديث . . . ثمّ ضرب أمثلة أُخرى ، مثلًا أن يكون عارفاً بأُصول الفرائض ومعانيها وإن لم يكن قد حصّل الأخبار التي وردت في مسألة تحريم المسكرات أو في مسألة النّكاح بلا وليّ ، فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها ولا تعلّق لتلك الأحاديث بها . . . ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذّميّ وطريق التصرّف فيه فما ، يضرّه قصوره
هامش
( 1 ) كما قيل : إنّ مدّعي إمكان التجزّي لا يريد بذلك أنّ ملكة الاجتهاد قابلة للتّجزّي وأنّ للمتجزّي نصف الملكة أو ثلثها ، بل مراده أنّ متعلّق القدرة في المتجزّي أضيق دائرة من متعلّقها في المجتهد المطلق لأنّها فيه أوسع . وقيل : التجزّي تبعيض في أفراد الكلّي ، لا التبعيض في أجزاء الكلّ ( التفريق لأجزاء المركّب ) فالفرق بين المطلق والمتجزّي إنمّا هو بزيادة أفراد ملكة الاستنباط ونقيصتها لا بشدّة الملكة وضعفها .