تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الأربع — صفحة الرسالة الأولى 19

مساهمون:

صالرسالة الأولى ١٩
في الحكمة العملية . فإنّ ما يستقل به العقل في مجال العمل إمّا له صلة بالحياة الفردية وهي ما يبحث عنه في علم الأخلاق ، أو بالحياة الاجتماعية المحدودة وهي ما يبحث عنه في نظام الأُسرة وتدبير المنزل ، أو الواسعة المترامية الأطراف وهو ما يبحث عنه في سياسة المدن وإدارة المجتمع . ولنمثل على ذلك : إنّ العالم الأخلاقي يحكم بلزوم تكريم الوالدين والمعلّمين وأُولي النعمة ، وذلك لأنّ التكريم من شؤون جزاء الإحسان بالإحسان ، وهو حسن بالذات ، والإهانة لهم من شؤون جزاء الإحسان بالإساءة وهو قبيح بالذات . والباحث عن أحكام تدبير المنزل يحكم بلزوم القيام بوظائف الزوجية من الطرفين وقبح التخلّف عنها ، ذلك لأنّ القيام بها عمل بالميثاق ، والتخلّف عنها تخلّف عنه ، والأوّل حسن بالذات والثاني قبيح بالذات . والعالم الاجتماعي الذي يبحث عن حقوق الحاكم والحكومة على المجتمع يحكم بأنّه يجب أن تكون الضرائب معادلة لمنافع الأفراد ، وذلك لأنّ الخروج عن تلك الضابطة ظلم على الرعية وهو قبيح بالذات . وقس على ذلك كل ما يرد عليك من الأبحاث في الحكمة العملية ، سواء أكانت راجعة إلى الفرد ( الأخلاق ) أو إلى المجتمع الصغير ( البيت ) ، أو إلى المجتمع الكبير ( السياسة ) ، فكل ما يرد فيها ويبحث عنه الباحثون ، بما أنّه من شؤون العقل العملي ، يجب أن ينتهي الحكم فيه إيجاباً وسلباً ، صحّة وبطلاناً إلى القضايا الواضحة البديهية في مجال ذلك العقل . إلى هنا انتهينا إلى أنّه يجب انتهاء الأحكام غير الواضحة ابتداء في مجال العقلين ( النظري والعملي ) إلى أحكام بديهية مدركة ابتداءً بلا مئونة شيء وذلك دفعاً للدور والتسلسل الذي استند إليه علماء المنطق والحكمة في القسم الأوّل ، أي الحكمة النظرية . والدليل واحد سار في الجميع .
الرسائل الأربع — صفحة الرسالة الأولى 19 | الشيخ جعفر السبحاني