4 - لا ملاك خارجي في القضاء بأحد الوصفين ، وإنّما الملاك هو اشتمال الفعل على خصوصية ، جعلته واضح الحكم عند العقل بيّن الوصف والحكم .
2 - ملائمة القضايا للفطرة ومنافرتها معها :
إنّ هنا طريقاً آخر ، لإدراك العقل تحسين الأفعال وتقبيحها ، وهو عرض القضايا للفطرة ، التي خلق الإنسان عليها ، وهو خير قاض ومُدرك ، وهي تجد البعض ملائماً لها والبعض الآخر منافراً ، تمدح فاعل البعض ، وتذم فاعل البعض الآخر . وتعبِّر عن الأوّل بالفعل الحسن ، وعن الآخر بالفعل القبيح .
إنّ لوجود الإنسان بعدين مختلفين ، أو جانبين متفاوتين ففي البعد الداني ، هو حيوان فاتك ، لا يعرف سوى البطن والتعدّي على الحقوق ، والأموال وتدمير الحدود والمقررات والترؤس والأنانية ولا يعترف بحقوق أحد ، ولا بحسن فعل ولا قبحه سوى ما يؤمِّن أغراضه المادية وشهواته الحيوانية وقواها الجامحة .
وفي الوقت نفسه له جانب ملكوتي ، رفيع عن الشهوة والغضب ، والغرائز الماديّة ، والميول الحيوانية ، بعيد عن الأنانية والترؤس ، ينظر إلى القضايا من أُفق عال ، دونه غرائزه وميوله الجامحة ، فيجد أُموراً ملائمةً يميل إليه وأُموراً منافرةً ، يتحاشى عنها ، فيقوم بمدح فاعل الأُولى وذم فاعل الثانية . وعلى هذا يكون الانطباق وعدمه والتلائم ، وخلافها ، آية التحسين والتقبيح .
وعلى هذا فالملاك في العقل العملي عبارة عن درك مطابقة القضية وملاءمتها للجانب المثالي من الإنسان غير الجانب الحيواني أو منافرتها له . فالإنسان بما هو ذو فطرة مثالية ، متميز عن الحيوانات ، يجد بعض القضايا ملائمة لذلك الجانب العالي أو منافية له . فيصف الملائم بالحسن ، ولزوم العمل ، والمنافي بالقبح ولزوم الاجتناب .