تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الأربع — صفحة الرسالة الأولى 18

مساهمون:

صالرسالة الأولى ١٨
وإلّا لما عرف الإنسان شيئاً من قضايا الحكمة العملية ، فكما أنّ العقل يدرك القضايا البديهية في الحكمة النظرية من صميم ذاته فهكذا يدرك بديهيات القضايا في الحكمة العملية من صميم ذاته بلا حاجة إلى تصوّر شيء آخر . مثلًا : لا يصح تصديق أيّ قضية من القضايا إلّا إذا انتهت إلى قضية امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، بحيث لو ارتفع التصديق بها لما أمكن التصديق بشيء من القضايا ، ولذا تسمى ب‍ - « أُمّ القضايا » وذلك كاليقين بأنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين ، فانّه لا يحصل اليقين إلّا إذا حصل قبله التصديق بامتناع صدق نقيض تلك القضية ، أي عدم مساواتها لهما . وإلّا فلو احتمل صدق النقيض لما حصل اليقين بالتساوي . ولأجل ذلك اتّفقت كلمة الحكماء على أنّ إقامة البرهان على المسائل النظرية إنّما تتم إذا انتهى البرهان إلى أُمّ القضايا التي قد عرفت . وعلى ضوء هذا البيان نقول : كما انّ بين مدركات العقل النظري قضايا بديهية أو قضايا أوّلية تنتهي إليها القضايا النظرية في ذلك المجال ، فهكذا بين مدركات العقل العملي ، قضايا أوّلية وواضحة يبرهن بها على سائر مسائله غير الواضحة بحيث لو ارتفع التصديق بهذه القضايا في الحكمة العملية لما صحّ التصديق بقضية من القضايا فيها . فمن تلك القضايا البديهية في العقل العملي ، مسألة التحسين والتقبيح العقليين الثابتين لجملة من القضايا بوضوح ، مثل قولنا : « العدل حسن » و « الظلم قبيح » و « جزاء الإحسان بالإحسان حسن » و « جزاؤه بالإساءة قبيح » . فهذه القضايا ، قضايا أوّلية في الحكمة العملية ، والعقل العملي يدركها من صميم ذاته ، ومن ملاحظة تلك القضايا بنفسها . وفي ضوء التصديق بها يسهل عليه التصديق بما يبتنى عليها في مجال العقل العملي من الأحكام غير البديهيّة ، سواء أكانت مربوطة بالأخلاق أو تدبير المنزل ، أو سياسة المدن ، التي يبحث عنها