تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحج في الشريعة الإسلامية الغراء — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
. . . . . . . . . .
شرح
لأنّ الوعد المجرّد ، والإنشاء الفارغ عن التطبيق ، لا يحقّق الاستطاعة ، ولذلك لو وعد وأنشأ الضمان ولم يدفع أصلا ، لا يصير الشخص مستطيعا ، ولا يجب عندئذ عليه الحجّ متسكّعا ، فانّ الاستطاعة عبارة عن : التمكّن المالي على نحو التمليك أو الإباحة ، وهو فرع كون الباذل مالكا ، والمفروض انّه منتف في كلتا الصورتين . والفرق بين البيع والثمن في ذمّة المشتري والاستطاعة واضح ، فإنّه بإنشاء البيع يملك المبيع ويكون الثمن في ذمّته ، ودفع مال الغير لا يبطل العقد الصحيح ، غاية الأمر يلزم بدفع الثمن من ماله ، وهذا بخلاف المقام فإنّ الغاية من البذل هو إيجاد التمكّن للمبذول له ، شرعا وقانونا ، وهو فرع كون المال صالحا لأن يبذله الباذل دفعة أو تدريجا ، والمفروض عدم صلاحيته ، وجواز تصرّف المبذول له ، جواز ظاهري لا واقعي ، ولذلك لو حجّ بمال الغير زاعما بأنّه مال نفسه ، لا يكفي عن حجّة الإسلام ، بل عليه - وراء ضمان مال الغير - أن يحجّ مرّة ثانية إذا استطاع . ويمكن القول بالصحّة في كلتا الصورتين ، لأنّ الاستطاعة أمر عرفي والظاهر صدقها في كلا الموردين ، لأنّها عبارة عن حيازة مال دفعة أو تدريجا ، يجوز له التصرّف فيه شرعا وقانونا ، ولا يوجد التصرّف فيه أيّ تبعة ولا ضمان عليه ، وهو صادق في كلا الموردين ، لأنّ جهل المبذول له بكونه مال الغير ، صار سببا ، لجواز التصرّف فيه ، وبالتالي تمكّنه في هذه الحالة من الذهاب إلى الحجّ وإتيان المناسك والعود إلى الوطن ، مع استقرار الضمان في المقام على السبب دون المباشر ، لقوّة الأوّل وضعف الثاني في المقام ، كما إذا أهدى طعام الغير إلى شخص بصورة انّه مالك الطعام ، فانّ الضمان يستقرّ على السبب دون المباشر ، فلا يورث تصرّفه في مال الغير أيّ ضمان وتبعة .
الحج في الشريعة الإسلامية الغراء — صفحة 246 | الشيخ جعفر السبحاني