وطبيعيّ جدا ، أنّ علم الفقه حينما يتأتّى له هذا النضج والقوة في ظلّ الحركة المستمرة والجهد الدائم الذي يبذله الفقهاء يكون أوصل إلى حكم اللّه ، وأبلغ في الوصول إلى حدود اللّه وشرائعه .
ولست أعلم لما ذا يكون الجهد الذي يبذله أبو حنيفة ، أو الشافعي مثلا في استخراج الأحكام الشرعية مجزيا ومبرءا للذمة ، وموصلا إلى حدود اللّه وشرائعه ؟ ولا يكون هذا الجهد موصلا إلى أحكام اللّه ومجزيا إذا ما بذله فقيه معاصر ، قد ألمّ بكل ما كان يعرفه الفقيهان المعروفان أبو حنيفة والشافعي وزاد عليهم في النضج والخبرة .
يقول الأستاذ المراغي في معرض مناقشة انسداد باب الاجتهاد في الأزهر الشريف والمعاهد الدينية في مصر : وليس ممّا يلائم سمعة المعاهد الدينية في مصر أن يقال عنها إنّ ما يدرس فيها من علوم اللغة والمنطق والكلام والأصول لا يكفي لفهم خطاب العرب ، ولا لمعرفة الأدلّة وشروطها ، وإذا صحّ هذا في الضيعة الأعمار والأموال التي تنفق في سبيلها « 1 » .
وقد يعيش فقيه واحد في عصر واحد في بيئتين فتتغيّر نظرته الفقهية تبعا لاختلاف هاتين البيئتين ، وتتغيّر تبعا لذلك فتاواه .
والمعروف عن الإمام الشافعي أنّ فتاواه اختلفت حينما انتقل إلى مصر عمّا كان يفتي به سابقا وهو في المدينة ، نظرا لاختلاف بيئة الحجاز عن بيئة مصر .
فإنّ الفقيه حينما يلمس عن كثب ضرورات بيئة يعيشها ، تختلف
هامش
( 1 ) الأصول العامة للفقه المقارن : ص 604 ، نقلا عن مجلّة رسالة الإسلام العدد 4 السنة الأولى ص 350 وما بعدها .