إنّ حكّام العالم الثالث « 1 » يؤدّون هذه الخدمة الكبيرة إلى الدول الكبرى بكل رضى في مقابل بقائهم في الحكم . فإذا استنفذت الدول الكبرى أغراضها من هذه الأنظمة واستنفذت كل إمكاناتها واحترقت أوراق هذه الأنظمة بشكل كامل ، استبدلتها بغيرها من خلال مؤامرة عسكرية يخطّط لها الغرب ، وينفذها قادة عسكريون ابتغاء الوصول إلى المال والسلطان والنفوذ .
وقد واجه علماؤنا هذه المؤامرة الأخيرة ، ودخلوا معها في صراع رهيب ، وطالت محنتهم وعذابهم بها ، وطارد الحكّام علماء الإسلام المناهضين لهم في كل رقعة ، في إيران والعراق ومصر والجزائر وتركيا وسوريا ولبنان وأفغانستان والهند والسودان ، وأذاقوهم ألوان العذاب ، وقتلوا منهم الآلاف وعذّبوا وسجنوا أضعاف ذلك . واستخدموا كل إمكاناتهم في استئصالهم وعزلهم عن ساحة الحياة .
ولكن هذه المحنة لم تتمكّن من إخماد صرخة علماء المسلمين في مواجهة الحكّام الظالمين وأجهزتهم القمعية الرهيبة . وعلى عكس ما كان يريده هؤلاء الحكام من عزل العلماء عن الجمهور . كانت هذه الأعمال التعسفية والقمعية تزيد من تعلّق الجمهور بالعلماء ، بل إنّ قيمة العالم ومكانته الاجتماعية كانت ترتبط وتتناسب عند الناس بمقدار جهاده للحكام الظالمين ، وبالعكس ، تهبط على قدر ارتباطهم واتصالهم بهم .
ولو أردنا أن نستعرض شرحا بأسماء وجهاد علماء الإسلام في تاريخنا السياسي المعاصر لطال الحديث وتطلّب الأمر مجلّدات من البحث في هذا التاريخ .
هامش
( 1 ) مصطلح العالم الثالث يصحّ سياسيا قبل سقوط الاتّحاد السوفيتي .