ثمّ لا يخفى أنّه لا تكون للإقرار أو البيّنة موضوعيّة في ترتّب الأحكام ، بل هما طريقان للكشف عن الواقع . وعلى هذا فلو علم أو اطمأنّ القاضي بكذب المقرّ في إقراره وأنّه أقرّ بذلك لخوف أو تهديد أو تطميع أو سائر الدواعي ، أو علم بكذب الشهود ، فلا يجوز له الحكم على أساسهما .
وأمّا المسألة عند فقهاء العامّة ، فيظهر من مطاوي كلماتهم أنّه يثبت قطع الطريق عندهم إمّا بالبيّنة أو بالإقرار ولا يثبت بعلم القاضي ولا بالنكول ، أي : استنكاف الخصم عن حلف اليمين الموجّهة إليه من القاضي .
ويشترط عند الحنابلة وأبي يوسف تكرار الإقرار مرّتين . « 1 »
وأما مسألة شهادة المسلوبين على الذين سلبوهم ، فقد ذكر ابن رشد القرطبيّ أنّ مالك يقبل ذلك ، ولكن قال الشافعيّ : تجوز شهادة أهل الرفقة عليهم إذا لم يدّعوا لأنفسهم ولا لرفقائهم مالًا أخذوه . « 2 »
قال ابن قدامة الكبير في هذا المجال : « إذا شهد عدلان على رجل أنّه قطع عليهما الطريق وعلى فلان وأخذ متاعهم ، لم تقبل شهادتهما ، لأنّهما صارا خصمين له بقطعه عليهما . وإن قالا : نشهد أنّ هذا قطع الطريق على فلان وأخذ متاعه قبلت شهادتهما ، ولم يسألهما الحاكم هل قطع عليكما معه أم لا ، لأنّه لا يسألهما ما لم يدّع عليهما . وإن عاد المشهود له فشهد عليه أنّه قطع عليهما الطريق وأخذ متاعهما ، لم تقبل شهادته ، لأنّه صار عدوّاً له بقطعه الطريق عليه . وإن شهد شاهدان أنّ هؤلاء عرضوا لنا في الطريق وقطعوها على فلان ، قبلت شهادتهما ، لأنّه لم يثبت كونهما خصمين بما ذكراه . » « 3 »
هامش
( 1 ) - راجع في هذا المجال : الأحكام السلطانيّة ، ج 1 ، ص 68 ؛ وأيضاً : ج 2 ص 63 - المبسوط للسرخسيّ ، ج 9 ، ص 204 - الفقه الإسلاميّ وأدلّته ، ج 6 ، ص 135 .
( 2 ) - راجع : بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ج 2 ، ص 458 .
( 3 ) - المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، ص 324 .