تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الحدود والتعزيرات — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
أجل ، لا بدّ لنا أن نقتصر على مورد الرواية ، وهو قطع رجله اليسرى بعد ما شهدوا عليه بالسرقة الأخيرة ، وأمّا سائر العقوبات المتأخّرة مثل تخليده السجن لو شهدت عليه بيّنة أخرى بعد قطع رجله بسرقة أخرى سابقة فلا ، وذلك لأنّه ينافي الأصول والقواعد الدالّة على أنّ التخليد في الحبس بالسرقة مشروط بمعاودة السرقة بعد قطع الرجل ، ولأصالة البراءة .

وأمّا العامّة ،

فقد تبيّن رأي فقهائهم ممّا ذكرنا عنهم في المقام السابق وممّا مرّ في كلام الشيخ الطوسيّ رحمه الله في الخلاف ، وأنّه لا يقطع السارق مرّة أخرى في محلّ البحث ، وهنا ننقل كلام أبي بكر بن سعود الكاساني الحنفيّ الملقّب بملك العلماء ، قال في مقام بيان صفات القطع : « ومنها : أن يجري فيه التداخل حتّى أنّه لو سرق سرقات فرفع فيها كلّها فقطع أو رفع في بعضها فقطع فيما رفع ، فالقطع للسرقات كلّها ولا يقطع شيء منها بعد ذلك ، لأنّ أسباب الحدود إذا اجتمعت وأنّها من جنس واحد ، يكتفى فيها بحدّ واحد كما في الزنا ، وهذا لأنّ المقصود من إقامة الحدّ هو الزجر والردع ، وذلك يحصل بإقامة الحدّ الواحد ، فكان في إقامة الثاني والثالث شبهة عدم الفائدة فلا يقام ، ولهذا يكتفى في باب الزنا بالإقامة لأوّل حدّ ، كذا هذا . ولأنّ محلّ الإقامة قد فات ، إذ محلّها اليد اليمنى ، لأنّ كلّ سرقة وجدت ما أوجبت إلّا قطع اليد اليمنى ، فإذا قطعت في واحدة منها فقد فات محلّ الإقامة وصار كما لو ذهبت اليد بآفة سماويّة . » « 1 »

فرع : في سرقة المال المسروق ثانياً بعد إقامة الحدّ وردّه إلى مالكه

لو سرق شيئاً فقطع فيه وردّ المال إلى مالكه ثمّ عاد فسرق المال المذكور مرّة أخرى ، يقطع ثانياً ، سواء سرقه من الذي سرق منه أوّلًا أو من غيره إذا انتقل المال إليه بالبيع أو الهبة أو غيرهما . قال الشيخ الطوسيّ رحمه الله : « كلّ عين قطع السارق بها مرّة ، فإنّه إذا سرقه مرّة أخرى
هامش
( 1 ) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ، ج 6 ، ص 38 - وراجع : مغني المحتاج ، ج 4 ، ص 179 - السراج الوهّاج ، ص 513 .