وأمّا نظريّة فقهاء العامّة ،
فيعبّر في كثير من كلماتهم عن النبّاش ب : « المختفي » ، وهو لفظ بلغة أهل المدينة وعرفهم ، وإليك كلمات بعض مصنّفيهم :
قال ابن قدامة الحنبليّ في شرح قول أبي القاسم الخرقيّ في المختصر : « وإذا أخرج النبّاش من القبر كفناً قيمته ثلاثة دراهم ، قطع » ما هذا نصّ كلامه : « روي عن ابن الزبير أنّه قطع نبّاشاً ؛ وبه قال الحسن ، وعمر بن عبد العزيز ، وقتادة ، والشعبيّ ، والنخعيّ ، وحمّاد ، ومالك ، والشافعيّ ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وابن المنذر . وقال أبو حنيفة والثوريّ : لا قطع عليه ، لأنّ القبر ليس بحرز ، لأنّ الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ ، والكفن لا يوضع في القبر لذلك ، ولأنّه ليس بحرز لغيره فلا يكون حرزاً له ، ولأنّ الكفن لا مالك له ، لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون ملكاً للميّت أو لوارثه ، وليس ملكاً لواحد منهما ، لأنّ الميّت لا يملك شيئاً ولم يبق أهلًا للملك ، والوارث إنّما ملك ما فضل عن حاجة الميّت ، ولأنّه لا يجب القطع إلّا بمطالبة المالك أو نائبه ولم يوجد ذلك . ولنا : قول اللَّه تعالى :
« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما »
وهذا سارق ، فإنّ عائشة قالت : سارق أمواتنا كسارق أحيائنا .
وما ذكروه لا يصحّ ، فإنّ الكفن يحتاج إلى تركه في القبر دون غيره ، ويكتفى به في حرزه ؛ ألا ترى أنّه لا يترك الميّت في غير القبر من غير أن يحفظ كفنه ويترك في القبر وينصرف عنه . وقولهم : إنّه لا مالك له ، ممنوع ، بل هو مملوك للميّت ، لأنّه كان مالكاً له في حياته ، ولا يزول ملكه إلّا عمّا لا حاجة به إليه ، ووليّه يقوم مقامه في المطالبة كقيام وليّ الصبيّ في الطلب بماله . إذا ثبت هذا فلا بدّ من إخراج الكفن من القبر لأنّه الحرز ، فإن أخرجه من اللحد ووضعه في القبر فلا قطع فيه ، لأنّه لم يخرجه من الحرز ، فأشبه ما لو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب ، فإنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سمّى القبر بيتاً . فصل : والكفن الذي يقطع بسرقته ما كان مشروعاً ، فإن كفّن الرجل في أكثر من ثلاث لفائف أو المرأة في أكثر من خمس فسرق الزائد عن ذلك ، أو تركه في تابوت فسرق التابوت ، أو ترك معه طيباً مجموعاً أو ذهباً أو فضّة أو جواهر ، لم يقطع بأخذ شيء من ذلك ، لأنّه ليس بكفن