بالأدلّة الدالّة على عدم جواز التأخير في الحدّ وبالتالي الذهاب إلى القول الثاني ، موجّه .
نعم ، لا يبعد التفصيل بين ما إذا كان الحدّ الثاني ثابتاً بالبيّنة ، فلا يتوقّع برء أثر الحدّ الأوّل ، وبين ما إذا كان ذلك الحدّ ثابتاً بالإقرار ، حيث إنّ للمقرّ الرجوع عن إقراره أو التوبة أو الفرار من الحفيرة ، فيؤخّر الحدّ الثاني حتّى يبرأ الجرح الحاصل من إقامة الحدّ الأوّل لئلّا يمنع الجرح عن الأمور المذكورة أو بعضها .
وأمّا العامّة فاختلف فقهاءهم في حكم ما إذا اجتمع على الزاني الجلد والرجم ، بما ذكر في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ، وهذا نصّه : « الحنفيّة والمالكيّة والشافعيّة ، وفي رواية عن الحنابلة ، قالوا : لو زنى رجل وهو بكر ثمّ زنى بعد ذلك وهو محصن ، قبل إقامة الحدّ عليه ، فلا يجمع عليه الجلد والرجم ، وإنّما يجب عليه إقامة حدّ الرجم خاصّة ، لأنّه لا فائدة في الجلد مع وجوب قتله ورجمه ، حيث لا يحصل منه الانزجار . الحنابلة قالوا في رواية عنهم : إنّه يجب الجمع بين الجلد أوّلًا والرجم بعد ذلك تنفيذاً للحدّين ، حتّى يكون عبرة لغيره ، وحتّى نأخذ لكلّ فعل حدّه . » « 1 »
وأيضاً ذكروا أنّه لو اجتمعت الحدود ، فالأصل في استيفاءها أن يقدّم حقّ العبد على حقّ اللَّه تعالى .
ويرى أبو حنيفة فيما إذا اجتمع عليه القذف والشرب والسكر والزنا من غير إحصان والسرقة مثلًا ، أنّ الجاني بعد إقامة كلّ حدّ عليه يحبس حتّى يبرأ من أثر إقامة الحدّ السابق ، ثمّ تنفّذ عليه عقوبة الحدّ اللاحق . « 2 »
ولقد بحث ابن قدامة الصغير مبسوطاً في تبيين اجتماع الحدود بأقسامها في المذاهب ، فليراجع من شاء أن يطّلع عليها . « 3 »
هامش
( 1 ) - الفقه على المذاهب الأربعة ، ج 5 ، ص 97 .
( 2 ) - السياسة الجزائيّة ، ج 2 ، صص 249 و 250 - التشريع الجنائيّ الإسلاميّ ، ج 2 ، صص 442 - 444 .
( 3 ) - المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، صص 140 - 146 .