ويختلف مذهب مالك عن مذهب أبي حنيفة في أنّ مالكاً يجعل الحدّ منوطاً بإمكان الجاني وطء الصغيرة ولو كان مثلها لا يجامع ، أو لو كان الوطء غير ممكن لغيره ، بينما يجعله أبو حنيفة منوطاً بصلاحيّة الصغيرة للجماع بصفة عامّة .
ويتّفق مذهب الشيعة الزيديّة مع مذهب أبي حنيفة في هذه الناحية .
ويرى الشافعيّون حدّ العاقل البالغ إذا زنى بمجنونة أو صغيرة ما دام الوطء قد حدث فعلًا ، ولا يقيّدون العقوبة بأيّ قيد ، وعلى هذا مذهب الظاهريّين .
وفي مذهب أحمد رأيان ، يتّفق أحدهما مع مذهب الشافعي ، أمّا الثاني فيخالفه في حالة وطء الصغيرة ، مجنونة أو غير مجنونة ، ويفرّق أصحاب هذا الرأي بين ما إذا كانت الصغيرة يمكن وطءها أو لا يمكن ، فإن كان الوطء ممكناً فهو زناً يوجب الحدّ ، لأنّها كالكبيرة في ذلك ، وإن كانت الصغيرة لا تصلح للوطء ، فلا حدّ على من وطأها وإنّما عليه التعزير .
وبعض أصحاب هذا الرأي يحدّد سنّ الصغيرة التي لا تصلح للوطء بتسع سنوات ، وحجّته أنّ الصغيرة لا تشتهي في هذه السنّ ، وأنّ وطءها يشبه ما لو أدخل إصبعه في فرجها .
والقائلون بحدّ المرأة إذا وطأها صبيّ أو مجنون وبحدّ الرجل إذا وطأ مجنونة أو صبيّة يتّفق رأيهم مع نصّ المادّة من قانون العقوبات المصريّ ، وهي تقضي بأنّ الظروف الخاصّة بأحد الفاعلين لا يتعدّى أثرها إلى غيره منهم .
على أنّ القائلين بالرأي المضادّ ، لا يخالفون هذا المبدأ لذاته ، ولكنّهم يطبقون قاعدة درء الحدود بالشبهات ، إذ يرون أنّ الجريمة لا تقع إلّا من اثنين بطبيعة الحال ولا يمكن أن تتمّ إلّا باجتماعهما ، ويرون في إعفاء أحدهما من العقوبة شبهة في حقّ الآخر تدعو إلى درء الحدّ عنه والاكتفاء بتعزيره . » « 1 »
هامش
( 1 ) - التشريع الجنائيّ الإسلاميّ ، ج 2 ، صص 356 - 359 - وراجع في هذا المجال : المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، ص 152 - الفقه على المذاهب الأربعة ، ج 5 ، ص 61 - المبسوط للسرخسي ، ج 9 ، صص 54 و 55 .