تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
لا يعلمه إلّا اللّه . فمن عصى اللّه في أيّ حكم من أحكامه ، وتجاوز أيّ حدّ من حدوده - وإن كان ذلك أمرا لا يعلمه إلّا اللّه سبحانه - فهو ممّن « تعدّى حدود اللّه » ، فيكون ظالما حسب تصريح الكتاب العزيز .

المقدّمة الثالثة :

إنّ وصف « الظلم » لا يعرف في واقعه وحقيقته إلّا من قبل اللّه تعالى ، فإنّ خفايا الناس ، وحقيقة ما ينطوون عليه من الأعمال والنوايا ؛ لا يعلمها إلّا اللّه سبحانه وتعالى . وقد ورد التأكيد على ذلك في كتاب اللّه ، إذ قال سبحانه :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
« 1 » .
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
« 2 » . وقد حكى حال بعض المنافقين ، وأكّد على أنّ الرسول لا يعرفهم ولا يعلمهم :
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ
« 3 » . فهؤلاء المنافقون - وهم من أجلى مصاديق الظالمين - لم يكن ظلمهم معلوما للناس ، حتّى خفي على الرسول الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ؛ وهو أعلم الناس بالناس ، وأعلمهم بما يصلحهم وما يفسدهم ، وأعلمهم بمقاييس العدل والظلم وحدودهما ، فإذا كان ظلم هؤلاء المنافقين ونفاقهم ، قد خفي على رسول اللّه فما بالك بغيره من الناس ؟ إذن فلا يعرف ظلم الناس وعدلهم - على واقعه وحقيقته - إلّا من قبل اللّه سبحانه وتعالى .
هامش
( 1 ) . سورة النجم : 32 . ( 2 ) . سورة النساء : 49 . ( 3 ) . سورة التوبة : 101 .
نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 92 | الشيخ محسن الأراكي