تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
والذي نجده في هذه الروايات هو التأكيد على أهمّية المشورة بشكل عامّ ، والدعوة إليها ، وبيان ما لها من الدور في تنضيج الرأي والتقريب إلى الصواب والصيانة عن الخطأ ، فهي في الواقع لا تعدو أن تكون روايات أخلاقيّة ترشد الناس وتنبّههم إلى ما يحكم به العقل وتدعو إليه الحكمة من أهمّية الاسترشاد بآراء الآخرين ، لا سيّما الحكماء وأهل التجارب والعلم منهم . وليس في هذه الروايات ما يدلّ على وجوب المشورة شرعا - بشكل مطلق أو في بعض الأحوال - ، ولا ما يدلّ على وجوبها في ما يتعلّق بقضيّة الحكم خاصّة ، سواء الشورى السابقة على الحكم أو المقارنة له أو اللّاحقة له . وغاية ما يستفاد منها في ما يخصّ قضيّة الحكم بوجه خاصّ ، أو مطلق ما يراد الاستشارة فيه بشكل عامّ ، أنّ من الراجح عقلا وشرعا لكلّ صاحب قرار حينما يشتبه عليه الأمر ، وتتعدّد وجوه الصلاح والفساد في ما يريد أن يتّخذ القرار بشأنه ، أن لا يبتّ في قراره إلّا بعد المشورة مع أهل الرأي والحجى والاستماع إلى آرائهم ، ثمّ اختيار ما يتبيّن له من المصلحة والصواب بعد ذلك . إذن فلا تشمل هذه النصوص وأشباهها الأمور التي سبق فيها القول من اللّه ورسوله ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) أو أيّة جهة مطاعة أخرى ، وكذا الأمور الواضحة البيّنة التي لا مجال فيها لاختلاف الوجوه والآراء . كما أنّها لا تشمل الصورة التي يختلف فيها على من له الأمر ومن له حقّ القرار ، فإنّ هذه الروايات وغيرها بل وكلّ نصّ يشتمل على مادة « الشورى » ومشتقّاتها - كما ألمحنا إلى ذلك سابقا - إنّما تدلّ على أنّ من له الأمر وله حقّ القرار ينبغي أن يستشير الآخرين في ما يريد اتّخاذه من القرار ، فوجود صاحب قرار سابق أمر مفروغ عنه في كلّ هذه النصوص ، إذن فلا نظر لهذه النصوص - جميعها - ولا دلالة فيها على الحال التي يختلف فيها على أصل صاحب القرار وأنّه من هو ؟ وكيف يتمّ تعيينه ؟