وبناء على هذا : فلا بدّ قبل البيعة من إحراز شرعية إمامة الإمام ، وكونه ممّن يجوز أو تجب طاعته شرعا - حسب الضوابط الذي فصّلناها في الأبحاث السابقة - ، فإذا جازت إمامته شرعا ؛ صحّت بيعته . وحينئذ ، فلا يفيد مجرّد البيعة شرعية طاعة الإمام والحاكم ، ولا وجوب طاعته ؛ بل لا بدّ في شرعية إمامته ووجوب طاعته من : انطباق الأدلّة الشرعية - التي تفيد شرعية إمامته ووجوب طاعته - عليه ، فإذا انطبقت عليه الأدلّة الدالّة على تعيين الإمام أو الحاكم الشرعي ؛ جازت بيعته ، ووجبت طاعته . وإن لم تنطبق عليه الأدلّة الشرعية الدالّة على ضوابط الإمامة الشرعية ؛ لم تجز بيعته ، ولا طاعته ، ولو بويع لم يكن لبيعته أيّ تأثير في شرعية إمامته ، بل يظلّ غير شرعيّ ؛ وإن بايعه النّاس . إذن فلا أثر للبيعة إطلاقا ؛ إن كانت البيعة بيعة لمن لم تتوفّر فيه شروط الإمامة الصالحة ؛ وإن اجتمعت على بيعته عامّة الناس .
وعلى أساس ما وضّحناه : فليست البيعة عملية أساسية ذات تأثير مهمّ في شرعية إمامة الإمام ووجوب طاعته ، وإنّما الدور الأساس في ذلك للأدلّة الشرعية والعقلية - التي فصّلنا البحث فيها في غضون هذا الكتاب - ، فإذا قامت الأدلّة الشرعية والعقلية على إمامة رجل ؛ مضت إمامته ، ووجبت طاعته ، سواء بويع له بالطاعة أم لا .
نعم ، لو توقّفت ممارسته للإمامة وتمكّنه من الأخذ بزمام الأمور على البيعة له ؛ وجبت بيعته على كلّ مسلم يكون لبيعته دور في تمكّن الإمام من السيطرة على الأمور واستتباب أمر الإمامة والقيادة له ، ولا ينحصر الأمر - حينئذ - في البيعة ، بل كلّ عمل توقّف عليه تمكّن الإمام من الأخذ بزمام الأمور ، وأدائه لواجب الإمامة والقيادة : وجب القيام به ، سواء من الأمّة أو من الإمام .
كما أنّه لو تغيّرت عادة الناس وأعرافهم ، وسادت بينهم طرائق أخرى للتعبير عن التزامهم بطاعة الإمام ونصرته ، وكان لها نفس الدور الذي كان للبيعة في العصور الأولى - من الدلالة على استتباب الأمر للإمام ، واستقرار إمامته ، ونفوذ أمره بين
نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 341
مساهمون: الشيخ محسن الأراكي
ص٣٤١