تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الصوم — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
. . . . . . . . . .
شرح
معنى النيّة . فالنيّة ليست عبارة عن إخطار صورة الفعل ، بل يراد بها الإرادة . نعم ، ما لم يخطر صورته بباله أوّلًا ولم يصدّق بفائدته وملاءمته ولم يحصل الميل وسائر مبادئ الإرادة لم يحصل الإرادة . وما يوجد بسببه الفعل الاختياري ويكون علّة لتحقّقه هو ذات الإرادة لا العلم بها والالتفات إليها ، فالمعتبر تحقّقها في باطن النفس وإن لم يتوجّه إليها ، وهذا المعنى يوجد من أوّل الفعل إلى آخره فيما إذا كان أمراً تدريجياً ، كما هو واضح لمن تدبّر في أنحاء حركاته الصادرة عنه . وكيف كان : فالنيّة بهذا المعنى تعتبر في الأفعال العبادية ، بلا تفاوت بين أوّل الفعل ووسطه وآخره فالموجود في وسط الفعل أيضاً هو نفس النيّة والإرادة لا حكمها . والدليل على اعتبارها في العبادات ما دلّ على اعتبار القربة فيها ؛ حيث إنّ معنى القربة هو أن يكون داعي الإنسان نحو الفعل أمراً قربيّاً إلهيّاً ، فيعلم من ذلك أنّه يعتبر في العبادة أن يوجد الفعل باختيار الإنسان وإرادته ، وأن يكون الباعث لإرادته من الدواعي الإلهيّة ، وليس معنى القربة هو إخطار صورة التقرّب في النفس بأن تكون أمراً تصوّرياً ويكون تصوّره معتبراً ، بل المراد منها ما ذكرنا من كون إحدى الدواعي الإلهيّة باعثة له نحو الفعل وينبعث منها إرادته له . وبالجملة : فنفس كون عمل عبادياً يكفي في الدلالة على اعتبار النيّة فيها . نعم ، للصوم خصوصية وهي : أنّه لا يعتبر فيها كون مجموع التروك مستندة إلى الاختيار المنبعث عن الدواعي الإلهيّة ؛ حيث إنّه قد يتحقّق بعض التروك لعدم الميل أو عدم التمكّن أو نحو ذلك ، فالمعتبر فيه ليس إلّا كون الداعي الإلهي أيضاً باعثاً مستقلًاّ على الترك ، بحيث لو تمكّن من إيجاد المفطر ووافقه طبعه أيضاً