تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ولاية الفقيه في حكومة الإسلام — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
لأنَّ الرواية تدلّ بظاهرها على أنّه يجب أن يكون في المفتي ملكة صالحة لا تسمح له بالإقبال على الدنيا وتجعله مطيعاً لأمر مولاه باستمرار ، وأن يكون ممتلكاً في باطنه لفكر ودافع إلهيّ يُحوّل وجهته عن عالم الغرور ويوجّهه نحو عالم البقاء ، ويجعل قلبه منجذباً إلى تلك الجهة ، لا أن يكون لديه مجرّد ملكة يجتنب بواسطتها عن الحرام في الخارج فحسب ، دون أن تتحقّق فيه تلك الدرجة من السلامة الباطنيّة . وبين هذين القولين بون شاسع . العدالةُ ، هي ملكة الاجتناب عن المحرّمات ، وبدون الوصول إلى درجة التقوي القلبيّة والصفاء الباطنيّ لا يتحقّق مناط التقليد بالنسبة للإنسان . فتلك الملكة التي يكون حصولها للمفتي مناطاً لتقليده هي الصفاء الباطنيّ ونورانيّة القلب اللذان يمنعانه عن كلّ التفات إلى الدنيا ، أو حبّ الرئاسة . فلا فرق عنده بين أن يزيد عدد طلّابه أو يقلّ ، أم أنَّ رسالته العمليّة طبعت أو لا . وإلّا ؛ فإذا اختلف الأمر بالنسبة له ولو بمقدار ذرّة ، وحتّى لو لم يرتكب المعاصي بحسب الظاهر - فكان يصوم ولا يكذب ويجتنب عن المحرّمات ، ويمتلك ملكة ذلك أيضاً ، ولا يقوم بهذه الأعمال تصنّعاً - لكنَّ صفاء ضميره لم يكن بنحو يكون قلبه معرضاً عن الدنيا ، بل يقوم ببعض هذه الأعمال بحسب الميل الدنيويّ ، فإنَّه حينئذٍ يميل إلى الدنيا . ولم نقصد من الدنيا الاقتصار على جمع المال والشهوات ، وإنَّما كلّ ما سوي الله فهو دنيا . وإذا كان في قلوب الذين هم في طريق المرجعيّة ميلًا إلى الرئاسة وحبّ الزعامة والتدريس وما شابه ذلك ، سواء كانوا يقومون ببعض الأعمال لتحصيل مقدّمات هذا العمل أم لا ، فنفس هذا الحبّ هو حبُّ الدنيا ، وهذا يمنع عن الوصول إلى الدرجات العليا .
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام — صفحة 94 | السيد محمد حسين الطهراني