جعل محلّ النزاع ما إذا قصد الإباحة دون التمليك ، أبعد منه ، بل لا يكاد يوجد في كلامهم ما يقبل الحمل على هذا المعنى » « 1 » .
وكيف كان : فما نحن بصدده من نقل آراء القوم ، هو أنّ مستند فتاوى القوم وآرائهم في المسألة ، هل هو اجتهادهم فيها ، أو يكشف عن نصّ أو شهرة من زمن الأئمّة ممّا لم يصل إلينا ؟
قال الشيخ رحمه الله في « الخلاف » : « إذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشارب فقال :
أعطني بها بقلًا أو ماءً فأعطاه ، فإنّه لا يكون بيعاً ، وكذلك سائر المحقّرات ، وإنّما يكون إباحةً له ، فيتصرّف كلّ منهما فيما أخذه تصرّفاً مباحاً من دون أن يكون ملكه . وفائدة ذلك أنّ البقلي إذا أراد أن يسترجع البقل أو أراد صاحب القطعة أن يسترجع قطعته ، كان لهما ذلك ؛ لأنّ الملك لم يحصل لهما . وبه قال الشافعي « 2 » ، وقال أبو حنيفة : يكون بيعاً صحيحاً وإن لم يوجد الإيجاب والقبول ، وقال : ذلك في المحقّرات دون غيرها « 3 » . دليلنا أنّ العقد حكم شرعي ، ولا دلالة في الشرع على وجوده هنا ، فيجب أن لا يثبت ، وأمّا الإباحة بذلك فهو مجمع عليه لا يختلف العلماء فيها » « 4 » انتهى .
أقول : في قوله : « ليست بيعاً » احتمالان : فيحتمل إرادة العرفي منه ؛ بمعنى أنّها ليست بيعاً ولو عند العرف والعقلاء ، ويحتمل إرادة الشرعي ؛ وأنّها بيع فاسد شرعاً ، والأوّل خلاف الضرورة ؛ إذ بناء العقلاء والمجتمع الإنساني - من الأوّل
هامش
( 1 ) - المكاسب ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 16 : 25 .
( 2 ) - المغني ، ابن قدامة 4 : 4 ؛ انظر المجموع 9 : 163 .
( 3 ) - انظر المغني ، ابن قدامة 4 : 4 ؛ المجموع 9 : 163 .
( 4 ) - الخلاف 3 : 41 .