ومن الواضح أن العرف هنا ليس شأنه الكشف ، بل إنشاء وإيجاد فردية الفرد . فإذا تحقّق ذلك يكون الفرد مصداقاً حقيقيّا للعنوان حتى عند من لم يشارك في ذلك النظر الإنشائي فمثلًا لو تعارف في عرف معين أن الانحناء قليلًا أمام أحد من مظاهر التعظيم ، ولم يكن كذلك في عرف آخر ، لكن لو اطلعوا عليه لاعترفوا أيضاً ، فحينما يشاهدون شخصاً من ذاك العرف ينحني لهم ، فإنهم يعدّونه تعظيماً واحتراماً ، وإن لم يكن في عرفهم كذلك . وهذا معناه أن النتيجة المترتّبة على هذا النحو من الفردية يكون مطلقاً ، وإن كانت عملية الإيجاد والإنشاء مخصوصة بهذا العرف .
في مثل هذا النحو من الأفراد العنائية ، لا إشكال في شمول الدليل لها ، لأنها مصاديق حقيقية لذلك العنوان ، ولا تحتاج في مقام انطباق المفهوم عليها إلى أي عناية أو مئونة ، نعم إيجاد الفردية وإنشاؤه كان يحتاج إلى بذل عناية ، لكن في طول تلك العناية يصبح فرداً حقيقة ، حينئذ يشمله إطلاق اللفظ كما يشمل الأفراد الحقيقية على سواء ، حتى لو فُرض أن هذه الارتكازات العقلائية كانت مستجدة بعد عصر صدور النص .
فمثلًا لو استجدّ أسلوب آخر للتعظيم لم يكن متعارفاً في عصر الصدور ، فيشمله قوله : « عظّم العالم » أيضاً ، لأنه في طول هذا النظر العرفي الجديد يكون فرداً حقيقة لذلك العنوان ، نظير إيجاد مصداق للماء بعلاج لم يكن متيسراً في زمن المعصوم ، فإنه مشمول أيضاً لإطلاق دليل المطهرية .
وليس هذا من باب تبعية الشارع للأعراف العقلائية ، لأن عنوان التعظيم وقع موضوعاً للحكم الشرعي ، وهذا الموضوع تتحقق أفراده في الخارج تدريجاً . وعلى أي حال سواء بنينا على الإطلاق اللفظي أو المقامي ، فإنه يكون شاملًا لتمام الأفراد حتى المستجدّة منها بلا حاجة إلى أي مئونة وعناية .
لا ضرر ولا ضرار من أبحاث الشهيد محمد باقر الصدر — صفحة 271
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٧١