والحاصل : أن المبادلة التي هي مدلولة للبيع ليس الفاعل إلا البائع ، وليس للألفاظ أدنى تأثير في وجودها ، بل ليست إلا صرف آلة بها يصدر الفعل من فاعله .
نعم للفعل له « 1 » جهتان : جهة نسبته إلى فاعله وصدوره منه ، وهو مفاد المصدر ، وجهة ذاته من حيث هو فعل مع قطع النظر عن جهة انتسابه إلى فاعله ، وهو مفاد اسم المصدر ، ويكون الفرق بينهما تقريبا كالفرق بين الإيجاد والوجود ، والإيجاب والوجوب .
فالعقود - ومنها البيع - تارة تطلق ويراد منها المعنى المصدري ، ومن ذلك قوله تعالى
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
« 2 » وجميع الأوامر المتعلقة بالبيع وغيره ، فإنه لا بد أن يلاحظ معها جهة الإصدار وانتسابها إلى فاعلها .
وأخرى تطلق ويراد بها المعنى الاسم المصدري الذي هو عبارة عن المتقرر بحسب ذاته ، ومن هذا الباب قوله تعالى
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ
« 3 » ، ولا يبعد أن يكون منه قوله تعالى
أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
« 4 » ، وليس ذلك لاختلاف في معنى البيع وحقيقته ، ولا يحتاج إلى تعدد الوضع .
فإن قلت : إن البيع لو كان معناه المبادلة لما كان وجه لانتسابها إلى فاعل واحد وهو البائع ، لأن معناها صدور البدلية من كل من الطرفين ، وعليه يقتضي أن تنسب أيضا إلى المشتري ، فيقال له : بائع ، مع أنه لا إشكال بعدم صدق البائع عليه ، ضرورة أنه لم يصدر منه بيع ، ولهذا لا يسمى إلا بالمشتري ، فإن قبول المشتري إنما هو شرط لتحقق الانتقال في الخارج شرعا أو عرفا ، أما نفس البيع
هامش
( 1 ) كذا .
( 2 ) المائدة : 1 .
( 3 ) النساء : 29 .
( 4 ) البقرة : 275 .