[ حاصل كلام من قال بان عين الكعبة قبلة للقريب والبعيد ]
هذا حاصل كلام من يقول : بأنّ الواجب هو التوجّه بعين الكعبة للقريب والبعيد ، ولكنّ السرّ في أن قبلة البعيد أوسع من القريب ليس إلا من باب أن العرف يحكم بصدق الاستقبال أو محاذاة شيء لشيء إذا كان بينهما البعد مع عدم هذا الصدق عنده ان كان بينهما القرب ، وهذا هو وجه ما يقال : من أن الشيء كلما ازداد بعدا ازداد جهة محاذاته سعة ، ولكن قلنا في صدر البحث بأنّ هذا الكلام غير تمام أعنى : لا يمكن أن يقال بذلك بمجرد دعوى صدق العرفي ، وقلنا بأنّه بعد كون الواجب هو التوجّه إلى شطر المسجد الحرام لأنه تعالى قال
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
« 1 » نقول في مقام بيان المراد من الشطر بأنّ الشطر هو السمت والجهة ، ولا إشكال في أنّ الواجب على البعيد الغير المتمكّن من التوجّه بعين الكعبة ليس بها ، لكونه موجبا لمشقة عظيمة ، بل العسر والحرج ، بل أزيد منهما ، ولا اشكال في أنّه لا يمكن أن يقال : بان الواجب عليه هو التوجّه بالعين ، غاية الأمر يحكم العرف بأنّ التوجّه بالعين يحصل بما قلنا في ضمن بيانين لما قلنا من الاشكال في ذلك أن نغضّى أعيننا ونقول بصدق العرفي بدون أن نفهم أن العرف موافق معه أم لا ، ولو فرض حكمهم فما منشأ حكمهم بذلك ، وإذا بلغ الأمر إلى هنا كما قلنا سابقا نقول : بأن الشطر هو السمت والجهة ، والواجب على البعيد هو تولية الوجه شطرها وسمتها وجهتها كما يظهر من الآية ان الواجب ، هو التوجّه إلى شطر المسجد الحرام .
ونقول في وجه ذلك وسره : بأن بعض الأشياء ممّا ليس له قدام ولا خلف ، وهذا مثل الأشجار والأحجار ، وبعض الأشياء يكون لها قدام وخلف كالانسان ، فترى أن له قداما وله خلفا ، فإن امر بالتوجه إلى الأشياء الّتي ليس لها قدام ولا
هامش
( 1 ) - سورة البقرة ، الآية 143 .