أهل الصف ليسوا مقابلين له ، بل يكونون واقعين في طرفيه ، ولكن لو باعدوا عن هذا الشيء يكونون كلهم مستقبلين له في حدّ من العبد عند العرف ، وهذا واضح البيان .
[ البيان الثاني في المراد من الجهة ]
الثاني : وهو لا يتفاوت مع بيان الأوّل في النتيجة ، غاية الأمر أنّ بيان الأوّل قال من قال به : بأن الاستقبال يختلف في القريب والبعيد بحسب صدق العرفي ، ويقال في بيان الثاني : بأن معنى التوجّه إلى الكعبة وتولية الوجه نحوها ليست إلا جعل مقاديم البدن محاذيا لها في حال الصّلاة مثلا ، فيقال بأن الواجب هو كون كل مكلف محاذيا للكعبة حال الصّلاة سواء كان قريبا أو بعيدا ، غاية الأمر تختلف المحاذاة بالنسبة إلى القريب والبعيد .
فكما قلنا في المثال السابق في البيان الأوّل ترى أن في مرتبة لا تصدق المحاذاة إلا بكون الشخص مقابلا لشخص آخر مقابلة حقيقية لقربه به ، ولكن في مرتبة أخرى يكون مع العبد بينهما تصدق المحاذاة ، ولو لم تكن محاذاة ، حقيقية ، فنحن نقول :
بان القبلة عين الكعبة ويجب التوجّه نحوها مطلقا على القريب والبعيد ، ولكن بعد ما نرى ان الشارع لم يأمر إلا بتولية الوجه نحوها وقال اللّه تعالى
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
« 1 » ولم يبين موضوع حكمه ، فلا بدّ من الرجوع إلى العرف ، ونرى بأنّ العرف لا يحكم إلا بلزوم تولية الوجه نحوها ، وأنّ معناها ليست إلا جعل مقاديم البدن محاذيا لها ، ونرى بأنّ المحاذاة تختلف بنظر العرف للقريب والبعيد ، فالبعيد ليس معنى توجهه نحوها ، وتولية وجهه بعين الكعبة إلا محاذاته وتولية وجهه بها بنحو يصدق عرفا بأنّه متوجه إلى عين الكعبة ، فالبعيد يتوجه بالعين غاية الأمر يكون التوجه والمحاذاة مختلفا في نظر العرف للقريب والبعيد .
هامش
( 1 ) - سورة البقرة ، الآية 143 .