الرواية كسائق السيارات في عصرنا الحاضر فإنه أيضا مثلهم لكون السفر عمله بالمعنى المتقدم .
وأمّا من كان مشتغلا بشغل لا يكون مقتضى وضعه الطبيعي أن يقع في السفر ، وليس في حد ذاته عملا سفريا في مقابل عمل الحضري ، مثل المحصل الّذي بنى على الخروج من وطنه إلى بلد للتحصيل ، ودائما يذهب إلى هذا البلد ويخرج ، فإنه وإن كان بنائه على السفر وكثر سفره ، ولكن حيث لا يكون تحصيل العلم بوضعه الطبيعي ممّا يوجب وقوعه في السفر من أجل شغله بالسفر .
أو الكاتب الّذي بنى على أن يخرج دائما إلى بلد للتحرير والكتابة ، ثمّ يعود إلى منزله وهكذا فهو أيضا مثل المحصل ، وكذا من بنى على أن يخرج للزيارة دائما مثلا من بغداد إلى كربلاء ، فهو وإن كثر سفره ولكن لا يشمله الحكم ، لعدم كون وضعه الطبيعي على السفر من أجل شغله السفر .
[ لا يلزم كون سفر المكارى لأجل النفع ]
وممّا قلنا ظهر لك انّه لا يلزم أن يكون وجوب الإتمام في ما كان سفر المكاري مثلا لأجل الاستفادة وتحصيل النفع ، لما قلنا من أن ذلك من قبيل الداعي لهم ، بل يكفي كون الشغل بوضعه الطبيعي السفر وفي السفر وان كان داعي الاشخاص باتخاذ هذه المشاغل هو النفع ، فبناء على هذا لو سافر المكاري لأجل أن يحمل أهل بيته يجب عليه الإتمام ، وأيضا لو سافر تارة وحمل متاعا مجانا إلى بلده .
وظهر لك أيضا انّه ليس مرادنا من هذا البيان في كون السفر عملهم أن يكون ذلك حرفة لهم ، بأن يكون المراد من العمل هو الحرفة ، بل المراد هو كون السفر عملهم لما يكون شغلهم من وضعه الطبيعي ، فكل شغل يكون بوضعه الطبيعي السفر فيجب على شاغله الإتمام .