والحاصل : هو أنّه لا تنبغي التفرقة في جريان الأصول المرخّصة وعدمه بين جميع الأطراف وبين بعضها ؛ لأنّه إن كان الحكم المعلوم فعليّا لم يتأتّ الترخيص مطلقا ، وإن لم يكن فعليّا فلا مانع من الترخيص مطلقا ، لكنّ العقل يرى فعليّة الحكم ، فيحكم بصرف العموم في أدلّة الأصول إلى غير مورد شبهته .
فإن قلت : إنّ الترخيص في بعض الأطراف مع عدمه في البعض الآخر لعدم جريان الأصل المرخّص فيه لا ينافي فعليّة الواقع ؛ لرجوع الحال إلى الترخيص إلى بدل على تقدير مصادفة المرخّص للواقع ، وذلك من آثار فعليّة الواقع حيث استبدل عنه بغيره .
قلت : إنّ دعوى استبدال الشارع والترخيص إلى بدل لا منشأ لها أصلا ، فضلا عن أنّ الأصل الذي يدّعى جريانه في هذه الشبهة هو الجاري في الشبهات البدويّة ، ودليله دليله بعموم واحد ولسان واحد ، فمن أين يمكن أن يكون في هذه الشبهة بعنوان الاستبدال وفي الشبهة البدويّة بعنوان التوسعة بالترخيص والعذر ، على أنّ الترخيص إلى بدل ليس من مقام فعليّة البدل ، بل من مقام ضدّها .
نعم ، يمكن أن يكون البدل بنحو من مقام فعليّة مصلحة المبدل ، كما في بعض أبدال خصال الكفّارة للعاجز عنها .
ولكن أين ذلك من الأصول المرخّصة المنبعثة عن مصلحة التوسعة بالترخيص التي هي ضدّ مصلحة الضيق بالتكليف .
وأمّا الالتفات في دعوى الاستبدال إلى صحيحة محمّد بن عيسى « 1 » في استخراج الشاة الموطوءة من القطيع بالقرعة ، فهو قياس واضح الفساد ؛ على أنّ أكثر روايات القرعة تنفي خطأها ، فتبطل دعوى الاستبدال فيها أيضا ، فتأمّل .
ومن جميع ما ذكرنا تعرف ما ينبغي أن يقال على القول بإجراء الأصول المرخّصة فيما عدا مقدار المكلّف به المعلوم بالإجمال ، الذي قد يعبّر عنه بمقدار الحرام . وهذا هو :
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام 9 : 43 ، ح 182 .