والقول بأنّ الأصل لا يجري في ماهيّة العبادات ، قد برهنّا على بطلانه في الأصول ، فإنّ التكليف فرع البيان ، وحيث لا نجده نحكم بعدمه بحكم أدلّة البراءة ، ولم نجد في ذلك فرقا بين أصل العبادات ، وأجزائها وغير ذلك .
ومنها : الإجماع الذي ادّعاه ابن زهرة في الغنية حيث قال :
فإن كان الوضوء واجبا ، بأن يكون وصلة إلى استباحة واجب ، تعيّن ، فينوي وجوبه على الجملة أو الوجه الذي وجب ، وكذا إن كان ندبا ؛ ليميّز الواجب من الندب ، ويوقعه على الوجه الذي كلّف إيقاعه عليه ، ويجوز أن يؤدّي بالوضوء المندوب الفرض من الصلاة بالإجماع المذكور ، ومن خالف من أصحابنا غير معتدّ بخلافه « 1 » . انتهى .
ومثله الحلّي في السرائر « 2 » .
وفيه - مضافا إلى أنّ متعلّق الدعوى الحكم الأخير ، وهو جواز أداء الفرض بالوضوء المندوب ظاهرا - : أنّ الظنّ الحاصل من الإجماع المنقول ليس بحجّة كما بيّنّاه في الأصول ، على أنّه لا يحصل ظنّ أيضا بعد مصير الأكثر إلى خلافه .
قال في المنافع : « وعن الإجماع : فبوهنه بمصير المعظم على خلافه ، مع أنّ مدّعيه غير معلوم » . انتهى ، فتأمّل .
ومنها : أنّ الوضوء مأمور به ، وكلّ مأمور به لا يحصل الامتثال به إلّا مع النيّة المشتملة على أحد الأمرين ؛ لاستفادة ذلك من الأمر المتعلّق به .
وفيه : أنّ ذلك مصادرة ؛ لمنع هذا الأصل ، بل الأصل في المقام - كما عرفت - الاكتفاء بمطلق إيجاد الماهيّة كيف اتّفق .
ودعوى أنّ هذا مستفاد من الأمر في محلّ المنع ؛ إذ غاية ما يدلّ عليه وجوب الإيجاد ، وأمّا أنّه يجب قصده أيضا عند الامتثال فلا دلالة فيه عليه أصلا .
فما قيل - من أنّ الأمر يدلّ على أنّ هذا الشيء واجب إيقاعه ، فيصير الشيء واجبا ، وحيث كان المكلّف به حينئذ الشيء الواجب ويجب قصده بأسره كان من جملته الوجوب ،
هامش
( 1 ) غنية النزوع ، ص 54 .
( 2 ) السرائر ، ج 1 ، ص 98 .