وللثاني - وهو مذهب الأكثر ، بل يظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليه - : إطلاق المرسلتين المذكورتين « 1 » ، وأنّ المراد بالروايتين المخصوصتين بالبول هو والغائط ؛ نظرا إلى أنّ الاختصاص إنّما هو من باب الاكتفاء ؛ لمكان الاستهجان بذكر الغائط .
مضافا إلى أنّ ثبوت الحكم في البول مقتض لثبوته في الغائط بطريق أولى ، على أنّ غلبة تلازمهما مغنية عن التصريح بالغائط .
وفي الجميع نظر لا يخفى وجهه ، إلّا الإطلاق ، وهو أيضا يمكن تقييده بالروايتين ، على أنّ الظاهر من الاستقبال ما كان بمقاديم البدن ، فلا يشمل ما كان بالمآخير حتّى يشمل الغائط ، كذا قيل .
وفيه تأمّل ؛ إذ المرسلة الأولى وإن كانت مطلقة يجري فيها ما ذكر ولكن الثانية - المشتملة على قوله : « ولا تستدبره » انتهى - ظاهرة في النهي عن الاستقبال بالغائط أيضا ؛ إذ كما أنّ الاستقبال ظاهر في المواجهة بالبول ، كذلك الاستدبار ظاهر في المقابلة بالغائط ، فيثبت المدّعى .
وعلى هذا فما ذهب إليه الأكثرون أولى بالترجيح ، مضافا إلى قاعدة التسامح الكافي فيها مثل هذا الظهور ، وفتوى الجماعة بالمشهور .
ثمّ المراد من استقبالهما بالبول ظاهر ، ومثله الاستقبال بالغائط بمعنى المقابلة بالمآخير ، كما أنّ المراد بالأوّل المقابلة بالمقاديم المعبّر عنها بالاستقبال حقيقة ، كما يعبّر عن المقابلة الأولى بالاستدبار كذلك ؛ لاشتقاقهما من القبل والدّبر ، ومن ذلك قولهم : أقبل فلان وأدبر ، أي واجه بقبله وبدبره .
وعلى هذا فلا تكره المقابلة بالمآخير المعبّر عنها - كما عرفت - بالاستدبار عند البول ؛ لعدم صدق الاستقبال به المنهيّ عنه .
وكذلك لا تكره المقابلة بالمقاديم عند الغائط مع ستر القبل وجعل الحائل بينه وبينهما ؛ لعدم صدق الاستدبار المنهيّ عنه .
هامش
( 1 ) في ص 654 .