[ ولا ريب أنّ الأقوى أنّ حدّه خوف فوات اختياري عرفة ] .
شرح
عرفة كيف يصنعان ؟ قال : « يجعلانها حجّة مفردة ، وحد المتعة إلى يوم التروية » « 1 » .
5 - وخبر عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : « إذا قدمت مكّة يوم التروية وقد غربت الشمس فليس لك متعة امض كما أنت بحجّك » « 2 » . إلّا أنّها أخبار شاذّة نادرة القائل تشبه بعض أخبار المواقيت ، بل فيها ما هو كالموضوع نحو قوله عليه السّلام : « قد صنع ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم « 3 » مع أنّه لم يتمتّع أبدا . اللّهم إلّا أن يراد صنعه لغيره بأن أمر صلّى اللّه عليه واله وسلم به أو أنّه كان ذلك لحكمة عدم إرادة معروفية الشيعة في ذلك الوقت بالتخلّف عن يوم التروية الّذي يخرج الناس فيه إلى منى .
بل يلوح من بعضها آثار ما ذكرنا ، خصوصا خبر ابن بزيع منها قال : سألت أبا الحسن الرضا عليه السّلام عن المرأة تدخل مكّة متمتّعة فتحيض قبل أن تحل متى تذهب متعتها ؟ قال : « كان جعفر عليه السّلام يقول : زوال الشمس من يوم التروية ، وكان موسى عليه السّلام يقول : صلاة الصبح من يوم التروية ، فقلت : جعلت فداك عامّة مواليك يدخلون يوم التروية ويطوفون ويسعون ثمّ يحرمون بالحج ، فقال : زوال الشمس ، فذكرت له رواية عجلان أبي صالح ، فقال : لا ، إذا زالت الشمس ذهبت المتعة ، فقلت : فهي على إحرامها أم تجدّد إحرامها للحج ؟ فقال : لا هي على إحرامها ، فقلت : فعليها هدي ؟ قال : لا إلّا أن تحب أن تتطوّع ، ثمّ قال : أمّا نحن فإذا رأينا هلال ذي الحجّة قبل أن نحرم فاتتنا المتعة » « 4 » . ضرورة أنّ نقله عن جعفر عليه السّلام كذا وعن موسى عليه السّلام كذا - مع أنّه مناف لما سمعته من نصوص التوسعة في يوم التروية إلى غروب الشمس « 5 » . بل في بعضها بعد العشاء « 6 » - هذا كلّه دليل على ما ذكرنا ، أو على اختلاف أوقات التمكّن إلى الوصول إلى عرفات باختلاف الناس ، أو على أنّ المراد بيان تفاوت مراتب أفراد المتعة في الفضل ، بمعنى أنّ أفضل أنواع التمتّع أن تكون عمرته قبل ذي الحجّة ، ثمّ يتلوه ما تكون عمرته قبل يوم التروية ، ثمّ ما يكون قبل ليلة عرفة ، ثمّ ما يمكن معها إدراك الموقفين ، ثمّ من كانت فريضته التمتّع يكتفي بإدراك الأخير منها . ومن يتطوّع بالحجّ ولم يتيسّر له العمرة إلّا بعد التروية أو عرفة فالمستفاد من بعض الأخبار أنّ العدول إلى الإفراد أولى له ، ولو لبعض الأمور التي لا ينافيها أفضلية التمتّع بالذات على الإفراد . وربّما ظهر من بعض متأخّري المتأخّرين « 7 » الجمع بين النصوص بالتخيير بين التمتّع والإفراد إذا فات زوال يوم التروية أو تمامه . وهو جيّد إن أراد ما ذكرناه لا في صورة وجوب حجّ التمتّع المعلوم من مذهب الشيعة وجوبه على النائي إذا تمكّن منه من غير استثناء حال من الأحوال .
ولذا صرّح الشيخ - بعد الجمع بين النصوص المزبورة بإرادة نفي الكمال في المتعة ، وبالخيار بينها وبين الإفراد على الوجه المزبور - بأنّ ذلك إذا كان الحجّ مندوبا لا فيما إذا كان هو الفريضة « 8 » ، بل قد سمعت من ابن إدريس الاكتفاء في الوجوب بإدراك اضطراري عرفة « 9 » ، وإن كان الأقوى خلافه . وعلى كلّ حال فلا ريب في أنّ الأقوى ما قلناه ، وعليه استقر المذهب ، بل ما تسمعه في المسألة الآتية مؤيّد لذلك ، وهي التي أشار إليها المصنّف بقوله : [ وكذا الحائض . . . ] .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : 299 ، ح 11 .
( 2 ) المصدر السابق : ح 12 .
( 3 ) الوسائل 11 : 294 ، ب 20 من أقسام الحجّ ، ح 10 .
( 4 ) الوسائل 11 : 300 ، ب 21 من أقسام الحجّ ، ح 14 .
( 5 ) الوسائل 11 : 294 ، ب 20 من أقسام الحجّ ، ح 10 .
( 6 ) الوسائل 11 : 294 ، ب 20 من أقسام الحجّ ، ح 13 .
( 7 ) الذخيرة : 552 - 553 .
( 8 ) التهذيب 5 : 170 ، ذيل الحديث 564 .
( 9 ) السرائر 1 : 582 .