. . . . . . . . . .
شرح
سمعته من النصوص السابقة المعتضدة بغيرها ممّا هو ظاهر أو صريح وإن قلّ المفتي به ، حتى أنّه لشذوذه ربّما لم يُحك عند نقل الخلاف ، كما أنّه لم يلتفت إليه عند ذكر الاحتياط ، بل ربّما ادّعى الإجماع - غير معتدّ به - على ما ستعرف وإن كان ذلك ليس على ما ينبغي . نعم المشهور بين الأصحاب نقلًا « 1 » وتحصيلًا ، بل عن الأمالي أنّه من دين الإماميّة التخيير بين القصر والإتمام إذا لم يرد الرجوع ليومه « 2 » ، غير أنّ الشيخ وابن حمزة منهم نصّا على وجوب الصوم وعدم جواز الإفطار 3 . خلافاً للمرتضى والحلّي فأوجبا التمام « 4 » واختاره الفاضلان في بعض كتبهما « 5 » ، ولم يتعرّضا في الآخر منها كغيرهما من متأخّري الأصحاب إلّا إلى أنّ المسافة الموجبة للتقصير ثمانية أو أربعة مع قصد الرجوع ليومه ، من غير نصّ على التخيير أو وجوب التمام . وفي الأوّل منهما - بعد الإغضاء عن شبهة التخيير فيه بين الأقل والأكثر - : أنّه لا شاهد له من النصوص المعتبرة ؛ إذ هي بين مطلق للتقصير في الأربعة ، وبين ملاحِظ فيه الذهاب والإياب من غير تصريح باليوم أو غيره ، وبين ما هو صريح في عدم الرجوع ليومه مع التصريح فيه بالقصر والنهي عن الإتمام والويل والويح عليه ، بل هو مستلزم لطرح بعضها أو ارتكاب التعسّف فيه بصرف النهي في أخبار عرفة إلى التمام بقصد الوجوب كما عليه الناس يومئذٍ ، وكذا الويل والويح . فحملُ بعضها حينئذٍ على إرادة الرجوع ليومه فيجب التقصير ، والآخر على إرادة الرجوع لغير اليوم فيتخيّر في الصلاة دون الصوم - مع تلازمهما في ذلك كما هو ظاهر كلّ من لم يصرّح بالانفكاك ، وهو الأكثر كما اعترف به في الرياض « 6 » ومال إليه - وطرح الثالث والتعسّف في تأويله بما عرفت من غير شاهد ، كما ترى . والرضوي - بعد عدم حجّيته عندنا - لا يصلح لذلك وإن وافق الشهرة . كما أنّها هي بنفسها كذلك عندنا ، خصوصاً في المقام المحتمل - إن لم يكن المظنون - خفاء بعض الأدلّة ودلالة آخر كما لا يخفى على المتصفّح لكلماتهم . وإشعار الإضافة في خبر ابن مسلم - بعد تسليمه - ضعيف جدّاً ، لا يصلح للحكم على تلك الأخبار قطعاً . والنسبة إلى دين الإماميّة لم يثبت إرادة الإجماع منها ؛ إذ من المحتمل - إن لم يكن الظاهر - إرادة ثبوته من دينهم وإن كان بطريقٍ ظنّي ، ولو سلّم فهي معارضة بنسبة ابن أبي عقيل وجوب التقصير إلى آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي هي أصرح في دعوى الإجماع . وما عن التحرير « 7 » من دعوى الإجماع على جواز التمام وحصول البراءة بلا خلاف ، منزّل على إرادة الإجماع من المخيّرين والملزمين بالتمام . كاستدلاله في المختلف على التمام بأنّه أحوط الذي ربّما يوهم الاتّفاق عليه باعتبار توقّف الاحتياط عليه ؛ ضرورة إرادته - بقرينة ذكره ذلك في ترجيح الإتمام على التخيير - الاحتياط بالنسبة إلى هذين القولين . ولعلّ من ذلك أو نحوه ، ما يحكى عن بعض رسائل الشهيد الثاني ؛ حيث قال في جملة كلام له : « ولو كان عدم العود على الطريق الأوّل موجباً لاتّحاد حكم الطريق لزم منه كون قاصد نصف مسافة مع نيّة العود إلى غير الطريق الأوّل يخرج مقصّراً مع عدم العود ليومه ، وهو باطل إجماعاً » . ومن ذلك كلّه يعرف ما في [ القول ] الثاني منهما أيضاً ؛ إذ هو وإن كان يؤيّده الأصل لكنّه إمّا مستلزم لحمل جميع تلك الأخبار على إرادة الرجوع لليوم ، وفيها ما لا يقبله في نفسه فضلًا عن احتياجه إلى الشاهد ، وإمّا الطرح للنصوص المعمول بها بين الأصحاب ولو على التخيير ، وكلاهما كما ترى .
هامش
( 1 ) الرياض 4 : 477 .
( 2 ) 2 ، 3 أمالي الصدوق : 510 ، 514 . النهاية : 161 . الوسيلة : 108 .
( 4 ) نقله عن المرتضى في المعتبر 2 : 468 . السرائر 1 : 329 .
( 5 ) المعتبر 2 : 468 . المختلف 3 : 102 .
( 6 ) الرياض 4 : 450 .
( 7 ) لم نعثر عليه في التحرير بل في السرائر 1 : 330 .