. . . . . . . . . .
شرح
بدونه لا يكاد تنتظم الأحكام للحكّام ، خصوصاً في المدن الكبيرة والقاضي القادم إليها من بعد مع عدم خلطته واختباره لهم ؛ ضرورة اقتضاء اعتبار غيره تعطيل كثير من الأحكام حتى يختبرهم أو يكون عنده من هو مختبرهم ومخالطهم ، ولا ريب في كونه حرجاً وعسراً وتعطيلًا ، وكيف ؟ ! والناس في كثير من الأمكنة لا يتمكّنون من ذلك في طلاقهم وديونهم وغير ذلك ممّا يحتاجون إليه .
بل قد يرشد إليه أيضاً :
1 - الحثّ على الجماعة المشعر بأنّها متيسّرة في كلّ وقت سفراً وحضراً .
2 - وظاهر قوله تعالى :( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ )« 1 » ، حيث لم يقيّده بشيء .
ولا ينافيه قوله تعالى في الأخرى :( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ )« 2 » ؛ إذ لا كلام في كون الشاهد لا بدّ أن يكون ذا عدل .
لكنّ الكلام في أنّ ذلك يحكم به حتى يظهر خلافه أو لا ، ولا تعرّض في الآية له ، فيبقى إطلاق الأولى سالماً ؛ إذ لعلّ المقصود عدم إشهاد المعروف بالفسق ، كما أنّه لا يعارض ما ذكرنا بالاحتياط ؛ إذ هو تارة بالفعل ، وتارة بالترك .
ومع ذلك كلّه فمن المستبعد جدّاً أو الممتنع أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وغيرهما من القضاة والحكّام - الذين لا انقطاع لُامور الخصومات والحدود في زمانهم ، بل لعلّها في اليوم الواحد تتكرّر عند الشخص الواحد منهم مرّات - كانوا يبحثون وينقّرون ويفتّشون كما يصنعه المتأخّرون من أصحابنا ، وخفي على من ذكرنا من قدماء أصحابنا كابن الجنيد والمفيد والشيخ ، حتى أنّ الشيخ حكى إجماع الفرقة وأخبارهم على ذلك ، هذا .
لكن لا يخفى عليك أنّ هذا الأصل غاية ما يمكن تسليم مقتضاه حمل ما يقع من المسلم من ذي الوجوه - قولًا أو فعلًا - على الوجه الصحيح منها ، وأنّه لا يجوز التفتيش عمّا يقتضي فساد فعله ، بل يغضّ السمع والبصر ويحمل على الحسن ما لم يكن الفعل والقول نصّاً « 3 » في الفساد أو ظاهراً « 4 » فيه على الأقوى ، وإلّا لم يمكن الجرح إلّا نادراً ، لا أنّ مقتضاه أن لا يقع منه ما يقتضي الفسق وما لا وجه له إلّا هو ، وملاحظة الأخبار بالنسبة للطهارة والنجاسة والذبائح والمناكح ونحوها من المعاملات والعبادات لا تفيد أزيد من ذلك .
ولا ينافيه ردّ شهادته حيث يشهد وإن كان الأصل يقتضي أن لا تكون زوراً ، لكنّ ذلك في نفسه لو علم لا يكفي في قبول الشهادة ؛ لاحتمال الوهم والنسيان والدخول إليها بمدخل شرعي فاسد وإن كان معذوراً فيه ، على أنّ اشتراط العدالة فيها تعبّدي يرتفع أثر هذه الاحتمالات عندها .
فمورد أصل الصحّة حينئذٍ الفعل المعلوم أنّه محتمل في نفسه لوجوه متعدّدة ، لا المحتمل أنّه من المحتمِل ، وإلّا فقد يكون هو في نفسه ممّا لا يحتمل إلّا الفساد ، فتأمّل .
ودعوى أنّه كما أنّ الأصل حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح كذلك الأصل في المسلم أن لا يخلّ بواجب ولا بترك محرّم -
هامش
( 1 ) البقرة : 282 .
( 2 ) الطلاق : 2 .
( 3 ) الأولى : « نصّين » .
( 4 ) الأولى : « ظاهرين » .