. . . . . . . . . . . . . . . .
-
شرح
وما عساه يقال : لا داعي إلى ارتكاب المجاز في لفظ السهو ؛ لاشتمال الأدلّة على الشكّ والسهو ، فيستدلّ على الأوّل بما دلّ على حكمه فيها ، كخبري أبي بصير وعمّار المتقدّمين ( « 1 » ) وتبقى أخبار السهو له خاصّة فلا تجوّز فيه .
يدفعه : أنّه وإن كان محتملًا بالنسبة للأخبار ، لكنّه غير محتمل بالنسبة إلى كلام الأصحاب ؛ لتعبيرهم عن هذا الحكم بلفظ السهو ، وهو العمدة في المقام . بل ممّا يؤيّد حمل لفظ السهو على الشكّ زيادةً على ما عرفت نقل الاجماع ( « 2 » ) إن لم يكن محصّلًا على أنّ جميع أحكام السهو - من تلافي المسهوّ عنه إن كان في المحلّ ، وعدم تلافيه في خارجه ، والقضاء خارج الصلاة لو كان سجدة ونحوها ، وبطلان الصلاة لو كان ركناً ، إلى غير ذلك - تجري بالنسبة إلى كثير السهو كما اعترف به من عمّم لفظ السهو لهما كالشهيد في الروضة ( « 3 » ) وغيره ، فلم يبق حينئذٍ معنى لانتفاء حكم السهو سوى سقوط سجدتي السهو ، وفي استفادة ذلك من الأدلّة نظر ؛ لاشتمالها على قوله عليه السلام : « فامض في صلاتك » ونحوه ، ولا دلالة فيه على سقوطهما ؛ لأنّ الأمر بالمضيّ في الصلاة لا ينافي وجوبهما خارجا .
وقال في الرياض في الجواب عن ذلك : « إنّ المراد من نفي حكم السهو نفي موجبه ، وهو ليس إلّا سجدتا السهو ؛ لأنّ تدارك المسهوّ عنه في الصلاة أو في خارجها لم ينشأ من السهو حتى يكون ذلك من جملة أحكامه ، بل نشأ من عموم الأدلّة الموجبة له ، فلا موجب للسهو حينئذٍ إلّا السجدتان ، فيسقطان ، فيتجه حينئذٍ نفي الحكم عن السهو لكثيره ، وكذا فساد الصلاة كما إذا سها عن ركن لم ينشأ من نفس السهو ، بل من حيث الترك حتى لو حصل من غير جهته » ( « 4 » ) .
وفيه : أنّ هذا الكلام بعينه يمكن أن يجري بالنسبة إلى الشكّ أيضاً ، فيقال : إنّ المراد من نفي الحكم عنه نفي موجبه ، وليس إلّا الركعات الاحتياطيّة والسجود ، وأمّا تلافي المشكوك فيه فليس منه ، بل هو من جهة أصالة عدم الإتيان ، فيبقى مخاطباً به ، فينبغي أن يتلافى مع الكثرة ، فإنّه لا معنى للتفرقة ، مع أنّ المؤدّي لهما عبارة واحدة ، وهي « لا حكم للسهو مع الكثرة » . وأيضاً دعوى أنّ تدارك السجدة المنسيّة والتشهّد المنسي خارج الصلاة ليس من موجب السهو في غاية البعد ؛ إذ الدليل الأوّل غير شامل لمثل ذلك قطعاً ، بل قد يقال أيضاً بالنسبة إلى تدارك المنسي في الصلاة : إنّه ليس مشمولًا للدليل الأوّل ؛ ضرورة وجوب السجود قبل القيام ، فإذا قام سهواً لم يشمله الدليل الأوّل ، ولذا كان مقتضى القاعدة الفساد . نعم لمّا دلّ الدليل أنّه يجب عليك السجود وقلنا به فهو ممّا وجب للسهو ، وإن كان لا يخلو من نظر . بل لا يخفى على الناظر للأدلّة نحو قوله : « إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك ولا تعد » ( « 5 » ) أنّ المراد منها عدم الالتفات إلى المسهوّ عنه ، فلو أريد بلفظ السهو ما يشمل الحقيقي لوجب الالتزام بعدم وجوب الالتفات إلى المسهوّ عنه ركناً كان أو غيره إذا كان كثير السهو ، فيقتصر حينئذٍ على ثلاث للظهر مثلًا إذا سها عن الرابعة إن كان كثير 12 / 420 / 704
السهو وإن ذكر ذلك قبل الخروج من الصلاة .
وقد التزم بذلك كلّه صاحب الحدائق حيث رجّح إرادة ما يشمل الشكّ والمعنى الحقيقي من لفظ السهو ( « 6 » ) ، وهو كما ترى منشأه الخلل في الطريقة والإعراض عن كلمات الأصحاب وإجماعاتهم .
هامش
( 1 ) تقدّما في ص 693 .
( 2 ) البحار 88 : 277 .
( 3 ) الروضة 1 : 339 .
( 4 ) الرياض 4 : 249 .
( 5 ) الوسائل 8 : 229 ، ب 16 من الخلل الواقع في الصلاة ، ح 6 .
( 6 ) الحدائق 9 : 291 .