. . . . . . . . . . . . . . . .
-
شرح
من جابر ، ولذا ضعفت التقيّة في زمانه ، مع أنّ بني اميّة وبني العبّاس كان بعضهم مشغولًا ببعض .
ويومئ إلى ذلك كلّه قول الصادق عليه السلام : « كان أصحاب أبي يأتونه ويفتيهم بمرّ الحقّ ، ويأتوني شكّاكاً فافتيهم بالتقيّة » ( « 1 » ) .
على أنّ نصوص المقام قد تضمّنت الكراهة والتفصيل بين النافلة والفريضة ونحو ذلك ممّا لا ينقل عن الشافعي ، بل كان يمكن الإمام عليه السلام ذكر الحقّ والتخلّص عن فتوى الشافعي بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء والتابعين وتابعي التابعين .
وبالجملة : من نظر بعين الإنصاف إلى تلك النصوص - المعمول بها بين كثير من المتأخّرين ، وأنّه لا معارض لها إلّا مجرّد نهي فيها يستعمل غالباً في الكراهة ، وبعض الإشعارات التي لا ينبغي الالتفات إليها - يجزم بعدم صدورها مصدر التقيّة .
وكيف يحلّ لامرئ مسلم رفع اليد عنها وطرحها مع اعتبار أسانيدها ولو بالعمل بها بين المتأخرين بمجرّد موافقتها للمحكي عن الشافعي ؟ ! وليس ذلك في الحقيقة إلّا ردّاً للخبر بلا معارض ؛ لأنّه موافق للعامّة ، والتسرّي في ذلك يؤدّي إلى هدم قواعد المذهب ، نسأل اللَّه تشييدها وتسديدها ، وإنّما ذكرنا هنا بعض الكلام وإلّا فتمام البحث فيه وفي أمثاله محتاج إلى رسالة ، نسأل اللَّه توفيقنا لها .
وأمّا ترجيح تلك النواهي على النصوص المزبورة بشهرة القدماء وإجماعي الصدوق والمرتضى ( « 2 » ) .
ففيه أوّلًا : أنّ المحكي عن ابن إدريس أنّه قال : لم يتعرّض أصحابنا لذكره ، ولم يعدّوه من المبطلات للصلاة ( « 3 » ) ، فإن كان الأمر كما ذكر دلّ على المختار .
وثانياً : أنّ الموجود في عبارات القدماء لفظ النهي - كالنصوص - وعدم الجواز ونحوه ممّا لا صراحة فيه بل ولا ظهور في البطلان ، خصوصاً وقد صرّح الشيخ في المبسوط بعدم البطلان معه ( « 4 » ) ، بل يمكن إرادة الكراهة منه كالنصوص لغلبة تعبيرهم بنفس متن الخبر . على أنّ القدماء وقع ما وقع منهم في كثير من المقامات من المذاهب الفاسدة ؛ لعدم اجتماع تمام الأصول عند كلّ واحد منهم ، وعدم تأليف ما يتعلّق بكلّ باب منها على حدة ، فربّما خفي على كلّ واحد منهم كثير من النصوص ، فيفتي بما عنده من غير علم بالباقي ، كما لا يخفى على الخبير الممارس المتصفّح لما تضمّن تلك الآثار . على أنّه يمكن إرادة الصدوق والمرتضى من النسبة إلى دين الإماميّة ومنفرداتهم أنّ في الإماميّة من صرّح بالمنع بخلاف العامّة ، فإنّ الشافعي الذي قد تعرّض له ذكر الجواز ، وليس المراد إجماع الإماميّة عليه .
وربّما يشهد لذلك - خصوصاً بالنسبة إلى الأوّل منهم - وقوع هذه اللفظة المزبورة فيما لا يقول به من الإماميّة إلّا قليل .
ولقد طال بنا الكلام حتى خرجنا عمّا يقتضيه المقام وإن كنّا لم نستوف أيضاً تمام النقض والإبرام ، إلّا أنّه قصدنا بذلك تهييج الذهن إلى بعض هذه الأمور لينتقل منها إلى غيرها ، فإنّ الأشياء تحضر بنظائرها .
ولو أنصف المتأمّل فيما ذكرنا لاهتدى به إلى أمور كثيرة وقواعد خطيرة لا تخصّ المقام ، واللَّه أعلم بحقائق الأحكام .
هامش
( 1 ) الوسائل 4 : 264 ، ب 50 من المواقيت ، ح 2 ، مع اختلاف .
( 2 ) تقدّم في ص 270 .
( 3 ) السرائر 1 : 220 .
( 4 ) المبسوط 1 : 107 .