. . . . . . . . . .
شرح
( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) *« 1 » ، قال : « معنى شطره نحوه إن كان قريباً ، وبالدلائل والأعلام إن كان محجوباً ، فلو علمت القبلة لوجب استقبالها والتولّي والتوجّه إليها ، ولو لم يكن الدليل عليها موجوداً حتى تستوي الجهات كلّها فله حينئذٍ أن يصلّي باجتهاده حيث أحبّ واختار حتى يكون على يقين من الدلالات المنصوبة والعلامات المثبوتة ، فإن مال عن هذا التوجّه مع ما ذكرناه حتى يجعل الشرق غرباً والغرب شرقاً زال معنى اجتهاده وفسد حال اعتقاده » قال : « وقد جاء عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خبر منصوص مجمع عليه أنّ الأدلّة المنصوبة إلى بيت اللَّه الحرام لا تذهب بكلّيتها حادثة من الحوادث منّاً من اللَّه تعالى على عباده في إقامة ما افترض عليهم » « 2 » .
7 - وما عساه يظهر من سؤال موثّق سماعة عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم ير الشمس ولا القمر ولا النجوم الذي قد امر في جوابه باجتهاد الرأي وتعمّد القبلة منتهى الجهد « 3 » ، وغير ذلك . لكن :
1 - لا يخفى إجمال الجميع وقصوره عن إفادة الواقع تفصيلًا . نعم يمكن تنزيل الخبر الأوّل - بقرينة بلد السائل فيه ، وموافقته لمقتضى قانون الهيئة - على العراقي بعد إرادة المنكب من القفا فيه بقرينة المرسل الآخر . أو خصوص ما يكون فيه على القفا من العراق كالموصل ونحوه ، أو يبنى على التسامح في ذلك ، أو على أنّ كلّاً منهما محصّل للمحاذاة من بعد ، أو غير ذلك .
2 - كما أنّ المرسل أيضاً ينبغي تنزيله كذلك ؛ للقطع بعدم إرادة إطلاقه ، خصوصاً والمخاطب فيه خاص ، والاشتراك في التكليف فرع المشاركة في الموضوع ، فتأمّل جيّداً .
3 - وصحيح زرارة يجب حمله على إرادة بيان أنّ ذلك [ ما بين المشرق والمغرب ] منتهى القبلة ولو في بعض الأحوال ، لا أنّه يجزئ استقبال أيّ نقطة من ذلك اختياراً كما هو مقتضى لفظ « كلّ » فيه ؛ لبطلانه سنّةً وكتاباً وإجماعاً ، بل وضرورةً من المذهب إن لم تكن من الدين . ولولا لفظ « كلّ » المزبور أمكن حمله على إرادة بيان العلامة الأولى بعد حمل لفظ الحدّ في السؤال على إرادة معرّف القبلة للعراقي بقرينة السائل أيضاً . ولعلّ لفظ « كلّ » فيه لتعميم اجزاء ما بين المشرق والمغرب لاستطالة السمت فيه ، أو لتعميم المشارق والمغارب كما تسمعه إن شاء اللَّه ، أو غير ذلك ممّا لا ينافي ما ذكرنا . ومن الغريب ما في الذكرى من أنّ « هذا الصحيح نصّ في الجهة » « 4 » ؛ ضرورة أنّه لا ينطبق ظاهره على كلّ حال ؛ إذ من قال بالجهة لا يتوسّع فيها إلى هذا الحدّ ، ولئن كان فالضرورة حجّة عليه كما هو واضح ، فلا ريب في أولويّة ما ذكرناه [ حمله على إرادة منتهى القبلة ] من ذلك ، بل لعلّه هو مراد الشهيد أيضاً ، لا التوسعة المزبورة ، فيوافق حينئذٍ إطلاق المصنّف وغيره من الأصحاب كونَهما علامة . خلافاً لجماعة فقيّدوهما بالاعتداليّين ، ولعلّه لشدّة التفاوت فيهما باختلاف الفصول المقتضي لعدم كون العلامة مطلق المشرق والمغرب ، ولو كان كلٌّ منهما من فصلٍ تفاوت ذلك أشدّ تفاوت ، وربّما أدّى إلى الانحراف إلى المشرق أو أزيد من ذلك . وتخصيصهما بما يوافق وضع الجدي للعراقي يوجب سقوط فائدة العلامة . ولعلّ هذا هو مراد الشهيد الثاني في الروضة بقوله : « إنّه إن أريد منهما الجهتان العرفيّتان انتشر الفساد كثيراً بسبب الزيادة فيهما والنقصان الملحق لهما تارةً بعلامة الشام ، وأخرى بالعراق ، وثالثةً بالزيادة عليهما » 5 ، أو
هامش
( 1 ) البقرة : 144 ، 150 .
( 2 ) رسالة المحكم والمتشابه : 96 - 97 . الوسائل 4 : 308 ، ب 6 من القبلة ، ح 4 ، وفيه : « مرئيّا » بدل : « قريباً » .
( 3 ) الوسائل 4 : 308 ، ب 6 من القبلة ، ح 2 .
( 4 ) 4 ، 5 الذكرى 3 : 160 . الروضة 1 : 195 .