هو فيه له فضل آخر ، بل الظاهر استحبابه في جميع الأوقات ( 1 ) .
ويتأكّد : في الأسحار كما عرفت ، وفي ليالي الجُمع طول الليل « 1 » ، وفي كلّ يوم مائة مرّة أو سبعين ، فهو غفران سبعمائة « 2 » ، وفي الغداة والعصر سبعين « 3 » ، وفي المجلس خمساً وعشرين « 4 » ، وعند استيلاء الهموم « 5 » ، وتعسّر الرزق ، وجدوبة الأرض ، وحرمان الولد 6 ( 2 ) . والأصل في الاستغفار الندم والتوبة وإصلاح الباطن ، فالمستغفر من الذنب المصرّ عليه كالمستهزئ بربّه ( 3 ) .
شرح
( 1 ) فإنّ من أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة ، وما علّم اللَّه العباد الاستغفار إلّا وهو يريد أن يغفر لهم ، كذا في الحديث « 7 » .
وفيه : « أنّ للقلوب صدأ كصدأ النحاس ، فاجلوها بالاستغفار » 8 ، و « إذا أكثر العبد الاستغفار رفعت صحيفته وهي تتلألأ » 9 .
( 2 ) كلّ ذلك للنصّ كما قيل « 10 » .
( 3 ) كما في الخبر « 11 » ، وفيه : أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لمن قال بحضرته : أستغفر اللَّه : « ثكلتك امّك ، أتدري ما الاستغفار ؟
إنّ الاستغفار درجة العلّيين ، وهو اسم واقع على ستّة معان : أوّلها : الندم على ما مضى . والثاني : العزم على ترك العود عليه أبداً .
والثالث : أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى اللَّه ليس عليك تبعة . والرابع : أن تعمد إلى كلّ فريضة ضيّعتها تؤدّي حقّها .
والخامس : أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم ، وينشأ بينهما لحم جديد .
والسادس : أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول : أستغفر اللَّه » « 12 » ، واللَّه أعلم . ومضافاً إلى ما ورد « 13 » في مدح السحر في نفسه ممّا يناسب وضع الصلاة فيه ؛ لأنّه لا إشكال في أنّه من الأوقات المضروبة لجملة من الطاعات ، وأنّ فيه فضيلة الإيتار والاستغفار طول العام ، ووقت السحور والدعاء المأثور في شهر الصيام ، وهو أفضل الأوقات وأشرفها وأحسن الساعات وألطفها ، وكم للَّه فيه من نفحة عطرة يمنّ بها على من يشاء ، وجائزة موفّرة يخصّ بها من أخلص في الدعاء ، وكم من عبادة فيه هبّت عليها نسمات القبول ، ودعوة من ذي طلبة مشفوعة ببلوغ المأمول ، ومشكل من مسائل اتضح بمصابيح الهداية ، وعويص من المطالب افتتح بمفاتيح العناية ، فهو وقت للعلماء والعاملين والعرفاء والمتعبّدين ، والسعيد من سعد بإحياء هذا الوقت الشريف ، واستدرّ به أخلاف الكرم من الجواد اللطيف ، وجاء في جنبه للقيام بين يدي الجبّار ، وواظب فيه على الإنابة والاستغفار ممّا اجترح في آناء الليل والنهار . وقد وقع الالتباس لكثير من الناس في هذا الوقت ، فمنهم من توسّع فيه حتى أتى بأعماله بعد العشاء متى شاء ، أو تربّص بها حتى مضى نصف الليل أو ثلثاه بلا مستند من الشرع ولا شاهد من اللغة أو العرف . ومن حقّ العمل الموقّت - واجباً كان أو مندوباً - مراعاة وقته المقدّر له شرعاً ، فإنّ ترك العمل من أصله أهون من الإتيان به في غير وقته ؛ لمشاركته الترك في ترك المأمور به ، وزيادته عليه بالتشريع في تقديمه أو تأخيره .
هامش
( 1 ) انظر الوسائل 7 : 388 ، ب 44 من صلاة الجمعة .
( 2 ) الوسائل 16 : 85 ، ب 92 من جهاد النفس ، ح 3 .
( 3 ) الوسائل 6 : 480 ، ب 25 من التعقيب ، ح 15 .
( 4 ) الوسائل 7 : 179 ، ب 24 من الذكر ، ح 1 .
( 5 ) 5 ، 6 ، 9 الوسائل 7 : 176 ، 177 ، ب 23 من الذكر ، ح 4 ، 10 ، 3 .
( 7 ) 7 ، 8 المصدر السابق : 177 ، 178 ، 176 ، ح 8 ، 12 ، 5 .
( 10 ) مصابيح الأحكام : الورقة 54 .
( 11 ) الوسائل 16 : 74 ، ب 86 من جهاد النفس ، ح 8 .
( 12 ) نهج البلاغة : 549 ، قصار الحكم 417 .
( 13 ) انظر الوسائل 7 : 67 ، ب 25 من الدعاء .