. . . . . . . . . .
شرح
لغيره ، فإن كان الأوّل ، فإن نفسيّاً فهو منافٍ لحصر الواجبات في الأخبار « 1 » المتواترة ، كما قيل « 2 » فيما عداه . وأمّا الثاني - فمع أنّه خلاف قول المخالف وأدلّته - كما في المصابيح 3 - ينافيه ضبط شرائط الصلاة ، وحصرها في كلام الأصحاب والأخبار ، كصحيحة زرارة : « لا تعاد الصلاة إلّا من خمس . . . إلى آخرها » « 4 » وغيرها في غيره ، وليس هو من الطهور قطعاً ؛ لعدم رفع الحدث به عند الصدوقين « 5 » أيضاً كما حكي . فظهر من هذا كلّه تعيّن الندب ، وهو في مقابلة أخبار « 6 » دالّة على الوجوب وفيها الصحيح ، وقد اشتملت على الأمر ، ولفظ الوجوب ، والنهي عن الترك ، وتفسيق التارك وأمره بالاستغفار ونهيه عن العود ، مع اشتمالها على استثناء الخوف والرخصة للعليل ، ونحوها ممّا يفيد ذلك ويؤكّده . إلّا أنّها - مع عدم اعتبار سند بعضها والجابر مفقود ، بل الموهن موجود - لا تصلح لمعارضة ما قدّمناه لوجوه كثيرة لا تخفى . وكيف ؟ ! والأخبار متى كانت صريحة صحيحة وأعرض الأصحاب عنها لا يسوغ العمل بها ، فضلًا عمّا لو وجد لها معارض أقوى منها . فوجب حينئذٍ طرح ما لا يقبل التأويل منها لو كان ، وتأويل غيره بإرادة الثبوت والمبالغة والتأكيد لاستحبابه ، سيّما بعد إطلاق لفظ الوجوب ونحوه على المعلوم استحبابه من الأغسال ، كغسل عرفة والزيارة ودخول البيت والمباهلة والاستسقاء ، وفي بعضها أنّ غسل دخول الحرم واجب ، ويستحبّ أن لا يدخله إلّا بغسل « 7 » ، وهو كالمفسّر للوجوب فيه وفي غيره ، إلى غير ذلك من القرائن فيها ، الدالّة على إرادة الندب من الوجوب ونحوه . وقد تجاوز بعض المتأخّرين « 8 » فأنكر كون لفظ الوجوب حقيقة فيما عندنا في السابق ، ولا ريب في ضعفه سيّما بالنسبة إلى زمن الأئمّة عليهم السلام ، فالأولى حينئذٍ ما ذكرنا فيه ، وكذا غيره من الأمر بالاستغفار « 9 » ونحوه ممّا تقدّم عند تركه من إرادة الحثّ والترغيب والمبالغة حتى يداوم على مثل هذه السنّة ، وقد ورد أشدّ من ذلك من الحثّ على المندوبات ، بل لعلّ التتبّع يشهد أنّ كلّ ما زيد فيه من المبالغة في فعله وتركه كان إلى الاستحباب أقرب منه إلى الوجوب . نعم قد يظهر من هذه الأخبار وغيرها أنّ تركه مكروه ، بل كراهة شديدة ، وإن لم ينصّ عليه أحد في كتب الفروع فيما أجد : 1 - للنهي عن الترك فيها . 2 - والأمر بالاستغفار عنده . 3 - والتفسيق بسببه أيضاً . 4 - بل لعلّ أخبار الوجوب تكفي في إثبات الكراهة للترك ؛ لكونه أقرب المجازات عند انتفاء الحقيقة . فالذي ينبغي حينئذٍ أن لا يترك ؛ لذلك ، لا لما ذكره بعض متأخّري المتأخّرين من قوّة القول بالوجوب « 10 » ؛ لما عرفت من ضعف الشبهة من هذه الجهة . وفي خبر الأصبغ : كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا أراد أن يوبّخ الرجل يقول : « واللَّه لأنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة ، فإنّه لا يزال في طهر إلى الجمعة الأخرى » « 11 » . وعن العلل كذلك ، إلّا أنّه قال : « في همّ » « 12 » بدل « طهر » .
هامش
( 1 ) انظر الوسائل 2 : 173 ، ب 1 من الجنابة .
( 2 ) 2 ، 3 مصابيح الأحكام : 154 .
( 4 ) الوسائل 6 : 313 ، ب 10 من الركوع ، ح 5 .
( 5 ) حكاه عن علي بن بابويه في المختلف 1 : 339 . الفقيه 1 : 112 ، ذيل الحديث 227 .
( 6 ) انظر الوسائل 3 : 311 ، 317 ، ب 6 ، 7 من الأغسال المسنونة .
( 7 ) الوسائل 3 : 304 ، ب 1 من الأغسال المسنونة ، ح 3 .
( 8 ) المدارك 2 : 160 .
( 9 ) الوسائل 3 : 318 ، 319 ، ب 7 ، 8 من الأغسال المسنونة ، ح 3 ، 2 .
( 10 ) الحبل المتين : 79 .
( 11 ) الوسائل 3 : 318 ، ب 7 من الأغسال المسنونة ، ح 2 .
( 12 ) الموجود في العلل ( 285 ، ح 2 ) « في طهر » ، إلا أنه نقله عنه في الوسائل 3 : 318 ، ب 7 من الأغسال المسنونة ، ذيل الحديث 2 .