نعم قد يتردّد في أصل الحكم بالنفاسين مع عدم تخلّل أقلّ الطهر بينهما ، بأنّ النفاس كالحيض عندهم في الأحكام ، وخصوصاً في ذلك ( 1 ) .
شرح
( 1 ) كما يشعر به حكمهم بعدم حيضيّة الدم السابق على الولادة بدون تخلّل أقلّ الطهر حتى في المتّصل منه الممكن الحكم بالحيضيّة كما أشرنا إليه سابقاً ، وكذا اللاحق بعد انتهاء مدّة النفاس وإن صادف العادة في كلّ منهما .
وما ذكره في كشف اللثام من أنّه « لا دليل على امتناع تعاقب النفاسين بلا تخلّل » « 1 » ، يدفعه : أنّ التعاقب محتاج إلى الدليل ، لا امتناعه ، بعد المساواة المذكورة التي هي المستند لهم في كثير من أحكام الباب . مضافاً إلى ما دلّ على عدم قصور أقلّ الطهر عن عشرة ، كما لو فرض وضع الثاني بعد مضيّ زمان بعد العشرة يقصر عن أقلّ الطهر .
اللّهمّ إلّا أن يستند في دفع ذلك كلّه إلى الإجماع ، وهو جيّد لو تمّ ، كما هو ظاهر نسبته له في المصابيح إلى المعروف من مذهب الأصحاب ناقلًا عن ظاهر التذكرة إجماع علمائنا عليه « 2 » .
ومع ذلك كلّه فتماميّته - أي الإجماع - لا يخلو من إشكال ، بل قد يشعر ما في الانتصار بعدمه ، حيث قال : « لست أعرف لأصحابنا نصّاً صريحاً في هذه المسألة » « 3 » . وما في السرائر حيث قال بعد أن ذكر المسألة : « فليلحظ ذلك ويحقّق ، فقد شاهدت جماعة ممّن عاصرت من أصحابنا لا يحقّق القول في ذلك » « 4 » . وما في المعتبر من التردّد المتقدّم .
بل ربّما توهّم من عبارة المصنّف ونحوها ممّا يقرب منها أنّ المراد ابتداء عدد أيام النفاس من الأوّل ، مع تكميلها من أيام وضع الثاني ، فلا يكون حينئذٍ للثاني نفاس إلّا مقدار ما يكمل به الأوّل فقط ، وعلى هذا فلو فرض وضع الثاني بعد العشرة مثلًا لم يكن له نفاس كما هو المنقول عن بعض العامّة « 5 » .
وعن آخر منهم : أنّ ابتداء النفاس من الثاني « 6 » .
لكن ذلك كلّه ممّا ينبغي القطع بعدم إرادته لأحد من الأصحاب ، وأنّ المراد بالعبارة - كما هو المصرّح به في كلام جملة من الأصحاب - استيفاء تمام عدّة النفساء من وضع الثاني وإن كان ما عدّته بعد الأوّل نفاساً أيضاً .
وليس المراد أنّ مجموع أيام نفاس هذه المرأة - أي الحامل باثنين - من وضع الأخير كما عساه يتوهّم من ظاهر العبارة أيضاً ، حتى تتوجّه المنافاة بين هذا الحكم والحكم بأنّ ابتداء نفاسها من وضع الأوّل ، وإن كان هذا الوهم أقرب من الوهم السابق بالنسبة إلى العبارة .
وكيف كان ، فالعمدة في المقام [ أي كون الثاني متمّماً للأوّل إن كان الثاني بعد العشرة وإلّا كان نفاساً مستقلّاً ] الإجماع لو تمّ ، وإلّا فلم نعرف لهم دليلًا هنا سوى صدق اسم النفاس ، وهو لا يرفع ما سمعت من الإشكال .
هامش
( 1 ) كشف اللثام 2 : 184 .
( 2 ) مصابيح الأحكام : 254 .
( 3 ) قد أشرنا في الصفحة السابقة إلى أنّه لم يتعرّض لهذه المسألة ، والعبارة موجودة في الناصريات : 173 .
( 4 ) السرائر 1 : 157 .
( 5 ) المجموع 2 : 527 .
( 6 ) المصدر السابق : 526 .