. . . . . . . . . .
شرح
ولقد أجاد المقدّس البغدادي في محصوله حيث أنكر دلالة مثل الشرط الذي يراد العموم من منطوقه على المفهوم كقوله :
« متى تأته تعشو إلى ضوء ناره » و « حيث ما تراه تجده مشغولًا » ونحوهما . وإن كان هو في بعض المواضع لا يخلو من نظر ، ومع ذلك فالشكّ كافٍ في المطلوب .
ومن هنا ظهر لك وجه ما وقع من بعضهم « 1 » من منع كلّية الكبرى في المقام مع استدلالهم بالمفهوم على نجاسة الماء القليل ؛ وذلك لأنّه لا كلام في كون هذه الأخبار دالّة على التنجيس بغير التغيّر ، فيستدلّ بها حينئذٍ على المنكر لذلك كابن أبي عقيل ، وأمّا أنّ التنجيس بكلّ شيء وعلى أي حال فلا دلالة فيها ، ومن هذه الجهة اتّجه لهم منع كلّية الكبرى .
نعم ، قد يقال : إنّ المتتبّع لكثير من الأخبار مضافاً إلى حكاية الإجماعات هناك على النجاسة يستفيد قاعدة وهي : أنّ ماء القليل ينجس بالملاقاة .
لكن ذلك معارض بأنّه أيضاً يستفاد - من تتبّع الأخبار وكثير من الإجماعات في غير المقام - قاعدة ، هي : أنّ المتنجّس لا يطهّر ، بل [ يستفاد ] ممّا دلّ على نجاسة القليل نفسه ؛ لأنّ معناها لا ترفع حدثاً ولا تزيل خبثاً . مضافاً إلى ظهور كون الماء طهوراً - المراد به الطاهر في نفسه المطهّر لغيره - في طهارته حال مطهّريته ، فتأمّل جيّداً ؛ فإنّه دقيق جدّاً .
ودعوى أنّه لم يعلم كونها [ قاعدة أنّ المتنجّس لا يطهّر ] شاملة لمثل المقام ، ليس بأولى من دعوى أنّه لم يعلم شمول القاعدة الأولى [ وهي أنّ القليل ينجس بالملاقاة ] له .
على أنّ القاعدة لا يلاحظ دليلها الدالّ عليها في خصوص كلّ مورد ، وإلّا لم تكن لها ثمرة . فما وقع من بعض متأخري المتأخرين - من منع شمول عدم تطهير المتنجّس لمثل المقام إنّما المعلوم في المتنجّس سابقاً لا فيما حصل التطهير به ؛ لعدم حصول الإجماع في المقام - ليس في محلّه ، وليس بأولى من تقريره أيضاً في الماء القليل حرفاً بحرف ، بعد أن عرفت فساد دلالة المفهوم [ على نجاسة القليل بكلّ شيء ] .
وربّما يرشد إلى عدم النجاسة بالورود ما في كشف اللثام في المطهّرات في شرح قول العلّامة : « ينبغي في الغسل الورود ، فلو عكس نجس الماء ولم يطهر المحل » ، قال - بعد أن نسب اشتراط الورود للمرتضى وابن إدريس - : « وإنّما لا ينفعل مع الورود للحرج والإجماع » « 2 » انتهى .
اللّهمّ إلّا أن يحمل منه ذلك على عدم نجاسة العالي بالسافل ، وفيه بُعد أو منع . أو على أنّ ماء الغسالة ما انفصل من المغسول دون ما كان فيه . وقد يقال أيضاً : إنّ الماء المغسول به يتنجّس بأوّل المباشرة فهو بالنسبة إلى الأجزاء الاخر متنجّس سابق ، فتأمّل جيّداً .
ولا ينافي ما ذكرنا من القاعدة خروج أحجار الاستنجاء ، وإلّا لنافى قاعدة [ نجاسة ] القليل [ بالملاقاة ] خروج ماء الاستنجاء وغيره . على أنّ التطهير بأحجار الاستنجاء إنّما هو يكون المراد بزوال العين بها نحو زوالها مثلًا في الحيوان ، وفرق واضح بينه وبين التطهير بالماء .
هامش
( 1 ) الروض : 158 .
( 2 ) كشف اللثام 1 : 479 - 480 .