. . . . . . . . . .
شرح
ج - وليس هناك اعتبار جهة في البئر دون البالوعة حتى يكون تحكّماً كما ادّعاه المعترض ، فلا وجه لهذا الإشكال .
كما أنّه لا وجه للإشكال في أصل الحكم : من أنّه لا معنى للاستناد في إلحاق الجهة برواية الديلمي ؛ لأنّهم لم يعملوا بها فيما دلّت عليه من الأحكام ، فكيف يتمّ لهم الاستناد إليها في خصوصية هذا الحكم ؟ ! لما عرفت سابقاً أنّه لم يعمل بشيء ، نعم قد استفيد منها أنّ جهة الشمال فوق بالنسبة إلى غيرها ، وإلّا فلا عمل بشيء من تقديرها ، وهذا المعنى كما يمكن استفادته منها يمكن استفادته من غيرها كرواية أبي يزيد الجمّاز ، بل يمكن معرفته من قواعد اخر عندهم ؛ وذلك لأنّ الأرض كرويّة واقعة في الماء ، قدر منها داخل وقدر منها خارج ، وربّما قالوا : إنّ ثلثيها داخل وثلثها خارج ، ووسطه قبّة الخارج محاذي للقطب الشمالي ، وكلّ عنصر يميل إلى مركزه ، ومركز الماء هو البحر الذي فيه الأرض ، فالماء الذي في الأرض يميل بالطبع إلى الجنوب من كلّ جانب من الأرض ، والشمال من الأرض فوق جنوبها ؛ لأنّ ابتداء الأرض الخارج من الجنوب متّصل بالبحر ، فكلّما يتحرّك المتحرّك من جنوب الأرض إلى شماله يصعد إلى أن ينتهي إلى محاذي القطب الشمالي ، وإذا تحرّك منه إلى الجنوب ينزل ؛ لما قلنا من أنّ الأرض كرويّة .
فظهر بما ذكرنا أنّ الشمال فوق بالنسبة إلى الجنوب ، فإذا كانت البئر في جهة الشمال مال الماء بالطبع إلى جهة الجنوب ، ولا يصعد من الجنوب إلى الشمال إلّا بقاسر يقسره ، فلذلك اكتفينا بالخمس ، بخلاف العكس فاحتجنا إلى الزيادة . وربّما يشير إلى ما ذكرنا قول الصادق عليه السلام في رواية ابن يزيد « 1 » المتقدّمة « 2 » : « يجري الماء إلى القبلة إلى يمين ، ويجري عن يمين القبلة إلى يسار القبلة ويجري عن يسار القبلة إلى يمين القبلة ، ولا يجري من القبلة إلى دبر القبلة » .
وذلك ، لأنّ قبلة الراوي قبلة العراق وهي جهة الجنوب لهم ، فلا يجري الماء من الجنوب إلى دبر القبلة أي إلى الشمال ؛ لأنّه دبر القبلة بالنسبة إلى مستقبل القبلة . وفي كشف اللثام - بعد أن ذكر هذه الرواية مؤيّدة للحكم بأنّ جهة الشمال فوق بالنسبة إلى الجنوب - : « الظاهر أنّ المراد بالقبلة قبلة بلد الإمام ونحوه من البلاد الشمالية ، ويعضده الاعتبار ، لكون معظم المعمورة في الشمال ، وانغمار الجنوبي من الأرض في الماء حتى لم يرَ العمارة في الجنوبي من قِبل بطليموس » « 3 » انتهى ، ولا منافاة فيه لما ذكرنا .
لا يقال : إنّه لا معنى لجميع ما ذكرتم ؛ لكون البئر والبالوعة معاً في البلاد الشمالية فأي معنى لكون البئر في مهبّ الشمال دون البالوعة وبالعكس .
لأنّا نقول : المراد به إنّما هو القرب إلى ناحية الشمال وعدمه ، فتأمّل .
نعم ، قد يشكل المقام بأنّه مع حصول الفوقيّتين - أي الجهة والقرار - لا معنى للاقتصار على السبع الحاصل لأحدهما لو كان ؛ لأنّه يزداد مظنّة وصول ماء البالوعة إلى البئر ، وكذلك لا معنى للخمس مع الفوقيّتين في البئر ؛ فإنّه يبعد مظنّة وصول ماء البالوعة إليها ، ومن هنا يمكن حمل الرواية على ذلك [ حصول الفوقيّتين لأحدهما ] فيكون ذكر الاثني عشر مع علوّ قرار البالوعة وجهتها ، ويكون الاكتفاء بالأذرع في كلامه مع علوّ قرار البئر والجهة أيضاً ، فتكفي ولو ثلاثاً ، ومع الاستواء فيهما اكتفي بالسبع .
هامش
( 1 ) وقد سبق أنّه ابن أبي يزيد .
( 2 ) تقدّم في ص 238 .
( 3 ) كشف اللثام 1 : 382 .