. . . . . . . . . .
شرح
وثانياً : قد يدّعى الأولوية في المقام ، فإنّه إذا اكتفي فيما قدّر له الجميع بالتراوح فليكتف في غيره ممّا لم يعلم تقديره به بطريق أولى . نعم ، لمّا كان من المحتمل نزح الجميع أوجبناه للمقدّمة ، فليقم التراوح مقامه ، كما لو كان مقطوعاً به ، بل هو أولى « 1 » .
وقيل - ونسبه في كشف اللثام إلى ابن حمزة وإلى الشيخ في المبسوط « 2 » وإن احتاط بالجميع - بوجوب نزح الأربعين ؛ لقولهم عليهم السلام : « ينزح منها أربعون وإن صارت مبخرة » « 3 » . وهي مع عدم العلم بصدرها لا جابر لسندها ، ومجرّد ذكر الشيخ لها في المبسوط غير كافٍ ، إذ لعلّه وهم فيها ، بل الظاهر أنّه كذلك ؛ لموافقتها لرواية كردويه - التي ستسمعها - المتضمّنة للثلاثين . وربّما احتجّ لهذا القول بالأخبار الدالّة على طهارة البئر بالتغيّر بنزح ما يزيل التغيّر خاصّة ، وعدم وجوب نزح الماء كلّه « 4 » ، فإذا لم يجب نزح الجميع مع التغيّر فمع عدم التغيّر بطريق أولى ، فمتى انتفى وجوب نزح الجميع دار الأمر بين القولين الآخرين وهما الثلاثون والأربعون ، ولمّا كان الجزم لم يحصل بالثلاثين تعيّن الأربعون .
وفيه : منع الأولوية أوّلًا ، وإلّا لزم أن تحكم هذه الأخبار على سائر ما ذكر على التقدير من الجميع وغيره إذا كان يحصل ما يزول به التغيير بدون التقدير ، وهذا وإن ذهب إليه بعضهم فيما تسمع « 5 » إن شاء اللَّه ، لكن الأقوى خلافه .
وثانياً : هذه الأخبار كلّها مبنية على القول بالطهارة في الظاهر ، فلا يتمسّك بها في المقام ، وستسمع أنّ كثيراً من القائلين بالنجاسة حكّموا غيرها عليها .
وثالثاً : ما ادّعاه من الانحصار في الأقوال الثلاثة [ نزح الجميع والأربعين والثلاثين ] إن كان المقصود منه تحصيل الإجماع المركّب منها ، ففيه : لا إجماع في المقام ، ولذلك احتمل بعضهم « 6 » أنّه يقدّر التغيّر ، ثمّ ينزح إلى زواله . وإن لم يكن المقصود منه الإجماع فلا يفيده .
ورابعاً : ما ذكره في الاستدلال لهذا القول لا يصلح لأن يكون له دليلًا في نفسه ، بل هو متمسّك لنا على صحّته ، من جهة عدم العلم بدليل قائله وإلّا فلا معنى لقوله : « لم يحصل الجزم بالثلاثين فيتعيّن الأربعون » ، وبعد معرفة دليل صاحبه وبطلانه لا معنى لذلك .
والحاصل : لا إشكال في أنّه على تقدير نجاسة البئر أنّ هناك نجاسات قدّر لها الشارع نزح الجميع كالبعير وصبّ الخمر ، ونجاسات قدّر لها الشارع دون ذلك ، فالنجاسة الغير المنصوصة يحتمل كونها من الأولى ، ويحتمل كونها من الثانية ، فاليقين لا يحصل إلّا بنزح الجميع .
هامش
( 1 ) في هامش المطبوعة ورد ما يلي : « لا يقال : إنّ نزح الجميع غير مقتضٍ للقطع بجواز استعمال الماء أيضاً ؛ لعدم ثبوت طهارة البئر نفسه بذلك . لأنّا نقول : إنّ الإجماع منعقد بحسب الظاهر أنّه ليس وراء نزح الجميع شيء وأنّ أرض البئر تطهر تبعاً كما تطهر حيث يكون المقدّر الجميع . وبالجملة ، حاله حال ما قدّر له الجميع » ، ( منه رحمه الله ) .
( 2 ) كشف اللثام 1 : 351 .
( 3 ) الوسائل 1 : 192 ، ب 20 من الماء المطلق ، ح 4 .
( 4 ) انظر الوسائل 1 : 183 ، ب 17 من الماء المطلق .
( 5 ) يأتي في ص 230 .
( 6 ) المدارك 1 : 100 .