. . . . . . . . . .
شرح
مع أنّ [ الثالث ، وهو ] إطلاقات المياه إن أراد بها الخصم مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك » « 1 » ، وقوله تعالى :( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) *« 2 » ونحو ذلك ، فهي لا تدلّ على المقام ؛ للقطع باشتراطها بالطهارة الغير المعلوم تحقّقها هنا ؛ إذ من المسلّم عندنا وعند الخصم خروج النجس ، إنّما الكلام في كون هذا منه أو لا ، فلا يمكن إثباته بذلك ، وهي غير مساقة لبيانه ، فيكون الاستدلال بها من قبيل الاستدلال على طهارة صيد الكلاب بقوله تعالى :( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ )« 3 » ، وهو باطل كما بيّن في محلّه .
وأمّا [ الرابع ، وهو ] ما في السرائر من الرواية فقد أنكرها جماعة منهم المحقّق في المعتبر ، فإنّه قال : « إنّا لم نروه مسنداً ، والذي رواه مرسلًا المرتضى رحمه الله والشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله وآحاد ممّن جاء بعده ، والمرسل لا يعمل به ، وكتب الحديث عن الأئمة خالية عنه أصلًا ، وأمّا المخالفون فلا أعرف به عاملًا سوى ما يحكى عن ابن حيّ ، وهو زيدي منقطع المذهب ، وما رأيت أعجب ممّن يدّعي إجماع المؤالف والمخالف فيما لا يوجد إلّا نادراً ، فإذن الرواية ساقطة » « 4 » انتهى .
والظاهر منهم تسليم دلالتها ، وأنّها فرق بينها وبين الوارد من طرقنا كما صرّح به بعضهم « 5 » ، وهي : « إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء » « 6 » ؛ لظهورها في عدم القبول بعد كونه كرّاً ، ولا ملازمة بينهما .
ومن هنا تتّجه المناقشة فيقوى كلام ابن إدريس ؛ وذلك لأنّ الرواية وإن كانت مرسلة إلّا أنّها [ منجبرة بما يلي ] :
أ - قد رواها من لا يطعن في روايته كالمرتضى « 7 » مع العمل بها ، وهو لا يعمل بأخبار الآحاد .
ب - و [ رواها ] الشيخ في الخلاف - فإنّه قال في الماء المستعمل في الكبرى : « إذا بلغ كرّاً » بعد أن ذكر عدم جواز استعماله وإن بلغ للاستصحاب - قال : « ويمكن أن يقال : إذا بلغ كرّاً جاز استعماله ؛ لظاهر الأخبار والآيات المتناولة لطهارة الماء ، وما نقص عنه أخرجناه بدليل ، ولقولهم عليهم السلام : « إذا بلغ الماء كرّاً لم يحمل خبثاً » » « 8 » انتهى ، فإنّ الظاهر من قوله : « ولقولهم عليهم السلام . . . إلى آخره » أنّه معطوف على قوله : « لظاهر الأخبار » .
ج - مع أنّ ابن إدريس لا ينبغي الطعن في نقله .
د - وعدم الوجدان لا يقضي بعدم الوجود .
ه - وأيضاً فقد نقل هو إجماع أصحابنا إلّا ممّن عرف نسبه على طهارة القليل بإتمامه كرّاً ، فيكون جابراً للرواية أيضاً .
ولا ريب في أنّ ذلك كلّه يسوّغ العمل بمثل هذه الرواية ، مع أنّه لا معارض لها حقيقة إلّا الاستصحاب ، ومثله لا يعارض مثلها .
هامش
( 1 ) سنن البيهقي 1 : 194 ، 217 .
( 2 ) النساء : 43 . المائدة : 6 .
( 3 ) المائدة : 4 .
( 4 ) المعتبر 1 : 52 - 53 .
( 5 ) المعتبر 1 : 53 .
( 6 ) الوسائل 1 : 158 ، ب 9 من الماء المطلق ، ح 1 ، 2 ، 6 .
( 7 ) الانتصار : 84 .
( 8 ) الخلاف 1 : 173 - 174 .