[ عدم تنجّس العالي بالسافل ] :
ثمّ اعلم أنّ الحكم بالنجاسة فيما ذكرنا بسبب الملاقاة للمتغيّر مع تساوي السطوح أو يكون [ الملاقي للمتغيّر ] هو السافل ، وإلّا فلو فرض العكس ، بأن كان المتغيّر السافل والملاقي له العالي ، لم ينجس وإن لم يكن كُرّاً ( 1 ) .
نعم ، قد عرفت أنّ المعتبر العلوّ الحسّي لا المادي على الأقوى ، فتأمّل جيّداً . كما أنّه يشترط أن يكون علوّاً معتدّاً به ، بحيث يقال عند أهل العرف : إنّ أحدهما عالٍ والآخر سافل ، لا متساويين ، بل الحكم كذلك في الجاري عن غير مادة ، بل كلّ نابع ( 2 ) .
[ عدم اعتبار تساوي السطوح ] :
بقي شيء : وهو أنّ ما اعتبر من تساوي السطوح في الراكد بالنسبة إلى عدم نجاسته بالملاقاة لا يعتبر هنا بالنسبة للجاري ، فلا ينجس بالملاقاة وإن اختلفت سطوحه ( 3 ) .
[ كيفية تطهير الجاري ] :
( ويطهر بكثرة الماء ) - أي يطهر بهذا [ بمعنى أنّه أحد طرق تطهيره ] ، لا أنّه لا يطهر بغيره ، وإلّا فهو يطهر بزوال التغيير ولو بتصفيق الرياح أو بوضع أجسام طاهرة أو بإلقاء ماء أو نحو ذلك كما ستعرف ؛ لاتّصاله بالمادة - ( الطاهر عليه متدافعاً ) من المادة ( حتى يزول تغيّره ) سواء كان كرّاً أو لا على المختار ( 4 ) .
شرح
( 1 ) لعدم نجاسة العالي بالسافل ولو كان علوّ انحدارٍ لا تسنّم .
1 / 90 / 215
( 2 ) بلا خلاف أجده ، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه ، فضلًا عن السيرة القطعية ومحكي الإجماع والأصل وغيره .
( 3 ) على ما هو الظاهر من كلام الأصحاب ؛ لصدق اسم الجاري على الجميع من غير فرق بين السافل والعالي .
بل لعلّه كذلك حتى على ما يقوله العلّامة « 1 » من اشتراط الكرّية [ في الجاري ] وإن اعتبر ذلك [ التساوي ] في الراكد ؛ لأنّه أطلق هنا كإطلاق الأصحاب . ولعلّه لأنّه يرى له خصوصية على الواقف وإن شاركه في نجاسة القليل ؛ وذلك لأنّ الغالب في مثله عدم الاستواء ، فلو اعتبرت فيه المساواة على حدّ الواقف ، لزم الحكم بنجاسة الأنهار العظيمة بمجرّد ملاقاة النجاسة لأوائلها التي لا تبلغ مقدار الكرّ ، وهو معلوم الانتفاء ، وصدق الجاري عليه عرفاً وإن اختلفت سطوحه كالوحدة . مع احتمال أن يقال : إنّ إطلاقه - هنا - مبنيٌّ على تفصيله الآتي ، فتأمّل .
( 4 ) ومقتضى اشتراط العلّامة الكرّية في الجاري أن لا يطهر المتغيّر منه بما ذكرنا ، بل هو إمّا بإلقاء كرّ عليه أو بأن يبقى من غير المتغيّر ممّا هو متّصل بالمادة مقدار كرّ ، فيزول تغيّره به ونحو ذلك . ومن هنا قال في الروضة : « وجعل العلّامة وجماعة الجاري كغيره في انفعاله بمجرّد الملاقاة مع قلّته ، وعدم طهره بزوال التغيير مطلقاً ، بل بملاقاة كرّ » « 2 » . لكن قال في المنتهى : « المتغيّر إمّا أن يكون جارياً أو واقفاً ، فالجاري إنّما يطهر بإكثار الماء المتدافع حتى يزول التغيير ؛ لأنّ الحكم تابع للوصف فيزول بزواله ، ولأنّ الطارئ لا يقبل النجاسة لجريانه ، والمتغيّر مستهلك فيه فيطهر » « 3 » . وهو ظاهر المدافعة ؛ لاشتراطه الكرّية .
هامش
( 1 ) تقدّم في ص 78 .
( 2 ) الروضة 1 : 32 - 33 .
( 3 ) المنتهى 1 : 64 .