. . . . . . . . . .
شرح
2 - ومنها : أن يراد بدوام النبع أي عند ملاقاة النجس للماء يشترط فيه أن يكون نابعاً ، فإنّه متى لم يكن كذلك جرى عليه حكم المحقون .
و [ فيه ] :
أ - [ انّ ] هذا المعنى وإن كان في نفسه صحيحاً على بعض الأحوال إلّا أنّه يبعد إرادة الشهيد له .
ب - على أنّ ذلك ليس فيه زيادة حينئذٍ على أصل معنى الجاري وكونه ممّا له مادة .
لكن الأمر في ذلك سهل ؛ إذ لعلّه حينئذٍ احترز به عمّا يتوهّم من أنّ الجاري هو الماء النابع وإن انقطع النبع ، فأراد رحمه الله التنبيه على أنّه لا ينجس بالملاقاة ونحوها بشرط أن يكون دائم النبع أي نابعاً حين الملاقاة .
وقد يقال : إنّه احترز به عن بعض أفراد النابع كالقليل الذي يخرج بطريق الرشح ، فإنّ العلم بوجود المادة فيه عند ملاقاة النجاسة مشكل ؛ لأنّه يترشّح آناً فآناً ، فليس له فيما بين الزمانين مادة ، وهذا يقتضي الشكّ في وجودها عند الملاقاة ، فلا يعلم حصول الشرط ، فاللازم من ذلك الانفعال حينئذٍ ؛ عملًا بعموم ما دلّ على انفعال القليل .
وفيه :
أ - أنّ إخراج مثل ذلك عن الجاري بمجرّد الفتور في نبعه ممّا لا يخلو من تأمّل .
ب - على أنّه كيف يحكم بالانفعال مع عدم العلم بالانقطاع ؟ وتنقيح ذلك بالأصل - مع كون عادة نبعه هكذا - فيه ما لا يخفى .
ج - مع أنّه قد يقال : إنّ الأصل يقضي بخلافه .
3 - ومنها : أن يقال : إنّ النبع يقع على وجوه :
أحدها : أن ينبع الماء حتى يبلغ حدّاً معيّناً ثمّ يقف ولا ينبع ثانياً إلّا بإخراج بعض الماء .
وثانيها : أن يكون كذلك ، لكن لا يخرج إلّا بحفر جديد .
وثالثها : أن ينبع الماء ولا يقف على حدٍّ ، بل يبقى مستمراً على النبع . فلعلّ مراد الشهيد رحمه الله باشتراط دوام النبع إخراج مثل الصورة الثانية ، فإنّ إدخالها تحت الجاري محل شكٍّ ، فتبقى داخلة تحت ما دلّ على اشتراط الكرّية .
وفيه : أنّه لا معنى لذلك ، إن أراد [ إخراجها ] حتى في حال النبع ، فإنّ وقوفها إلى حدٍّ بحيث تحتاج إلى حفرٍ جديدٍ لا يخرجها عن اسم الجاري حينه ، فتأمّل جيّداً .
4 - ومنها : أن يراد بدوام النبع دوام الاتّصال بالمادة ، فمتى انقطع أو قطعه قاطع أو نحو ذلك لم يجرِ على الماء الموجود حكم الجاري ، بل إن كان كُرّاً عصم نفسه وإلّا فلا . وليس المراد من هذا الشرط أنّه ينكشف ، أنّه ليس بجارٍ عند فقده [ الاتّصال ] ، بل المراد أنّه يكون حينئذٍ ليس بجارٍ .
ولعلّه عند التأمّل يرجع هذا إلى بعض ما تقدّم ، فتأمّل جيّداً ، فإنّ الأمر في ذلك سهل بعد معرفة الصحيح والفاسد من الوجوه المتقدّمة في حدّ ذاتها .