وغير ما ذكر من الآيات الكثيرة المضاهية لما ذكر . وهذا القسم ممّا اختلف فيه ، وستقف على تحقيق الحال في ذلك .
إذا علم ذلك نقول : إنّ الآية المذكورة وهو قوله تعالى :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ
. . . إلى آخره من القسم الثاني ، فالمستفاد منه أنّ جزاء تلك الفرقة الخاسرة ما ذكر في أي زمان ، ومقتضاه أن يكون المتصدّي لإقامة ذلك الجزاء عليهم هو العالم به .
وإن أردت أن تنكشف عليك حقيقة الحال فتأمّل فيما أبيّن لك من المثال .
فنقول : إنّ ذلك نظير سلطان يكتب في دفتر : إنّ جزاء من ارتكب تلك الفاحشة من الرعيّة ذلك الأمر ، وأرسل بتوسّط حاكم منصوب منه إليهم ، ثمّ يموت الحاكم فيما بينهم ولم تبلغ أيدي الرعايا إلى ذلك السلطان ، لكن يبقى ذلك الدفتر فيما بينهم .
والعقل يقضي بحسن قيام العالم بكيفيّة ذلك الجزاء على من ارتكب تلك الفاحشة ، لا سيّما بعد ملاحظة أنّ الداعي لوضع ذلك الجزاء صونا للناس عن الهلاك ، وحفظا للنظام بين العباد . فلو قام بذلك الجزاء العالم به واتّفق أنّ السلطان بعد مرور الأزمان ألقى إليه السؤال : لم فعلت ذلك ؟ وذكر في مقام الجواب بأنّ الموجود في الدفتر الذي أرسلت إلينا جزاء هؤلاء الفرقة الخاسرة ذلك ، ولم يكن فيه أنّ المقيم فيه لا بدّ أن يكون شخصا معيّنا ، وتأمّلنا فوجدنا الإخلال ممّا فيه مظنّة المؤاخذة ؛ فلذلك أقمنا ذلك ، وعلم السلطان صدقه من قلوبهم ، فلا شبهة في حسن الجواب ، وقبح المؤاخذة ، كما لا يخفى على ذي فطنة ودراية .
ومن الآيات المشار إليها قوله تعالى :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
« 1 » ، و
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
« 2 » .
اعلم أنّ هاتين الآيتين من القسم الذي وقع الخلاف فيه بين أئمّة الأصول في اختصاصه بالموجودين في زمان الخطاب أو لا ؟
هامش
( 1 ) المائدة ( 5 ) : 38 .
( 2 ) النور ( 24 ) : 2 .