ثمّ إنّه يمكن أن يقال : إنّ قاعدة حمل قول المسلم وفعله على الصحّة إنّما هي لأجل حصول الظنّ بصدقه ولو من جهة الغلبة ، فكلّما لم تحصل هناك مخاصمة بالفعل أو بالقوّة فيا بنى على الصّدق ، كقول من يجيء بالهدية ويقول : « هذا مال فلان أهداه إليك » ومثل قول من يبيعك الثياب ويقول : « اشتريتها بالأمس من فلان » أو يقول : « هذا من فلان وكّلني في بيعه » ، وأمثال ذلك .
ومن هذا القبيل قول المرأة : « كان لي زوج مات في السنة الماضية وأريد أن أزوّجك نفسي » ومثل قول المطلّقة ثلاثا لزوجها : « حلّلت لك نفسي » وأمثال ذلك ممّا لا يحصى ، فيا بنى على الصدق والصحّة ، لكنّها مراعاة بظهور الحال ، والصحّة مرتّبة عليه حتّى تحصل هناك مخاصمة ، فيجيء صاحب الهديّة ويقول : « كذب فلان ، بل سرقه منّي وجاء به لك » ، وكذلك نظائره ، فحينئذ يجب الإثبات ، وإلّا فالواسطة بإقراره أنّه من المالك مأخوذ بإقراره ، فلا بدّ من إثبات كونه هديّة ، أو وكيلا في البيع أو نحو ذلك .
فقبول قول المسلم في هذه المواضع لا يحتاج إلى كونه عادلا ، ولذلك حملوا اشتراط الثقة في المطلّقة ثلاثا على الاستحباب .
وأمّا اشتراط العدالة كما يستفاد من الآية : فإنّما هو في الشهادة لأجل إثبات الدعوى ، كما استدلّ الفقهاء باية النبأ « 1 » لاشتراط العدالة والإيمان في الشاهد ، أو بخبر الواحد الذي يثبت تكليفا عاما للعباد ، أو يرفع تكليفا عاما عنهم ، وإن توجّه إلى هذا المكلّف بالخصوص ، مثل إثبات النجاسة للماء القليل الملاقي للنجاسة ، وإثبات الشفعة في كلّ أمر مقسوم .
أو في الأمور الخاصّة بآحاد المكلّفين في رفع تكليف ثابت عنهم ، أو إثبات تكليف ، كإخبار الأجير عن الحجّ ، والطبيب عن المرض المبيح للفطر والتيمّم وغير ذلك .
هامش
( 1 ) . نهاية المرام 2 : 70 .