وقد ضعّفه الأكثر « 1 » ؛ ولتصريح علماء الرجال بأنّ عبد اللَّه بن مُسكان لم يرو عن أبي عبد اللَّه عليه السلام إلّا بالواسطة . وربما قيل : إنّه كان يأبى أن يدخل عليه إجلالًا له وإعظاماً « 2 » . وقيل : إنّه لم يرو عنه مشافهةً إلّا حديث : « من أدرك المشعر فقد أدرك الحجَّ » « 3 » ؛ وعلى هذا تكون الرواية مرسلة ، فلا تصلح لمعارضة الأخبار الصحيحة .
وأمّا صحيحة ابن مسلم الواردة في المركن « 4 » ، فأقصى ما يستفاد منها هو عدم اشتراط الورود في إزالة النجاسة ؛ كما استوجهه الشهيد رحمه الله في الذكرى « 5 » ، وقوّاه الفاضل صاحب المدارك « 6 » وجماعةٌ من المتأخّرين « 7 » . ومقتضى ذلك أنّ الماء ينجس بورود النجاسة عليه مع طهارة المحلّ المغسول به ، ولا بُعد فيه إذا اقتضته الأدلّة الشرعية ، وبناء الاحتجاج بها على فهم المنافاة بينهما ، وهو ممنوع .
لا يقال : ورود النجاسة على الماء لو اقتضت تنجيسه لم يفد غسله فيه مرّة ثانية إلّا لاكتساب النجاسة منه ، وأمّا على القول بالطهارة فلا محذور فيه ، لصدق الامتثال وانتفاء المانع ، أعني النجاسة .
لأنّا نقول : ذلك إنّما يتوجّه لو فُرض وحدة الماء المغسول به في الغسلتين أو تعدّده مع غسل المركن ، ولا إشعار في الرواية بشيء من ذلك . فإن ثبت المنافاة بينه وبين القول بانفعال القليل وجب القول بتجديد الماء وغسل الإناء ، وإلّا اتّجه القول بحصول الطهارة مطلقاً .
وأمّا صحيحة محمّد بن إسماعيل « 8 » ، فبعد الإغماض عمّا فيها من الإضمار ، وجهالة المكتوب إليه ، واحتمال عود الضمير في : « كتبت إليه » ، يتوجّه عليه :
أوّلًا : أنّ التفصيل المستفاد منها لا قائل به ؛ فإنّ مقتضى القول بالطهارة جواز الاستعمال مطلقاً ولو مع الاختيار ، ومقتضى القول بالنجاسة عدم جوازه مطلقاً ، ولو مع الاضطرار ، والأخبار من « 9 » الطرفين تدلّ على الإطلاق .
وثانياً : الحمل على ما إذا كان بقدر الكرّ ، كما هو ظاهر السؤال .
وثالثاً : القول بالموجب لطهارة « 10 » بدن الجنب الخالي عن النجاسة ، وطهارة ماء الاستنجاء ، وجواز التطهير به * ، بناءً على طهارته ، كما يُستفاد من الأخبار
شرح
* . جاء في حاشية « ل » و « د » و « ش » : « لكنّ المشهور أنّه لا يجوز التطهير من أحد الخبثين بالماء المستعمل وإن قلنا بطهارته ، ونقل عليه في المعتبر « 11 » والمنتهى « 12 » الإجماع » . منه قدس سره .
هامش
( 1 ) . راجع : رجال النجاشي : 328 ، الرقم 888 . ولمزيد الاطّلاع على الأقوال المختلفة حول محمّد بن سنان من المدح والقدح راجع : الفوائد الرجاليّة ( رجال بحر العلوم ) 3 : 249 - 278 . واعلم أنّ رأى المؤلّف قدس سره نهائياً ورد في هذا الكتاب هكذا : « واستبان من الجميع أنّ الأصحّ توثيق محمّد بن سنان » .
( 2 ) . اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي ) 2 : 680 ، الرقم 716 ، خلاصة الأقوال ( رجال العلامة ) : 106 .
( 3 ) . اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي ) 2 : 680 ، الرقم 716 ، وسائل الشيعة 14 : 41 ، كتاب الحجّ ، أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب 23 ، الحديث 13 .
( 4 ) . تقدّمت في الصفحة 157 ، الرقم 10 .
( 5 ) . ذكرى الشيعة 1 : 131 ، فإنّه بعد استظهار اشتراط ورود الماء على النجاسة في غير الأواني ممّا لا يمكن فيه الورود ، استوجه القول بعدم اشتراط الورود في إزالة النجاسة مطلقاً .
( 6 ) . اعلم أنّ رأيه في مدارك الأحكام مختلف ؛ فإنّه استوجه القول باعتبار الورود في موضع ( 1 : 40 ) ونفى عنه البأس في آخر ( 1 : 122 ) ، والمستفاد من كلامه في موضع ثالث ( 2 : 330 ) قريب ممّا استظهره المصنّف ؛ لأنّه لم يصرّح فيه بأنّ القول بعدم اعتبار الورود هو الأقوى ، وكيف كان المنسوب إليه رجحان القول بالورود .
( 7 ) . منهم : المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1 : 186 ، والفاضل الأصفهاني في كشف اللثام 1 : 480 .
( 8 ) . تقدّمت في الصفحة 157 ، الرقم 11 .
( 9 ) . في « ن » : عن .
( 10 ) . في « ن » : بطهارة .
( 11 ) . المعتبر 1 : 83 .
( 12 ) . منتهى المطلب 1 : 142 .