من الأصل واما من قال بقول علىّ بن بابويه فلا كلام معه إذ لا يقول بمدخلية النذر في الخروج من الأصل بل يقول به مطلقا والنذر لا يفيد عنده سوى عدم جواز الرجوع عنه على أن القول المذكور ضعيف جدا والاخبار متضافرة في خلافه وانه ليس له بعد الموت الا الثلث وسننقل عن العلامة رحمه الله دعوى الاجماع عليه وعن المحقق أيضا ما هو ظاهر فيها وفي حسنة محمد بن قيس بإبراهيم بن هاشم وهي كالصحيحة عن أبي جعفر عليه السلام انه قضى أمير المؤمنين عليه السّلام في رجل توفى وأوصى بما له كله أو أكثره فقال له الوصية ترد إلى المعروف غير المنكر فمن ظلم نفسه واتى في وصيته المنكر والجنف فإنها ترد إلى المعروف ويترك لأهل الميراث ميراثهم وقال من أوصى بثلث ماله فلم يترك وقد بلغ المال ثمّ قال لان أوصى بخمس مالي احبّ إلى من أوصى بالربع ومنها يظهر ان الوصية بما زاد عن الثلث ظلم وجنف فلا أقل من الكراهة ومنه يظهر وجه آخر لعدم انعقاد النذر المذكور إذ لا خلاف في أن متعلق النذر لا بد ان لا يكون مرجوحا لا يقال إن بالنذر قد يسوغ ما لا يسوغ بدونه كنذر صوم التطوّع في السفر إذا قيد به على رأى من قال بانعقاده وبعدم صحته بدونه فيمكن ان يكون ما نحن فيه أيضا من هذا القبيل فيكون له مع النذر الزائد عن الثلث وان لم يكن له ذلك بدونه لأنا نقول لا يحكم بانعقاد نذر كذلك بمجرد عمومات النذر فان النذر المعلوم انعقاده بتلك العمومات هو ما كان متعلّقه مع قطع النظر عن النّذر راجحا أو متساوي الطرفين على رأى وانعقاد نذر لا يكون كذلك لو صح لا بدّ له من دليل خاص به كما زعموه في مسئلة نذر صوم التطوع ولا دليل فيما نحن فيه لصحة النذر المذكور وانعقاده بل من قال به انما يتمسّك بعمومات النذر فتدبّر ومما يؤيد ما ذكرنا من الاشكال في صحة هذا النذر انه لو صح له نذر يصير به بعد الموت ما زاد عن الثلث صدقة أو لزيد ولا يمكن للوارث ردّه فينتفى حكمه منعه عن الوصيّة بما زاد عن الثلث وعدم نفوذها فيه إذ حينئذ لكل أحد ان يحرم ورثته ولا يبقى لهم شيئا بعد الموت بمثل هذا النذر ولا يتوهمن ان مثل هذا الكلام يجرى في تجويز تصرّفاته المنجزة في حال صحته كيف شاء إذ لا خلاف في جواز ذلك وان كان بقدر كل ماله مع أنه يلزم منه حرمان الوارث كيفما شاء بعده لان الانسان قلّما يقدم على اخراج قدر يعتد به من ماله في حال صحته عن ملكه حذرا من تصرفات نفسه بخلاف ذلك فيما بعد الموت إذ لا ضرر له فيه فكل من له عداوة بوارثه أمكنه ان يحرم كيف شاء بالنذر المذكور وهو ظاهر واعلم انى لم ار هذا الفرع في كلامهم سوى ما ذكره الشارح رحمه الله في شرح الشرائع في بحث التّدبر حيث قال في شرح قول مصنفه المحقق والمدبّر ينعتق بموت مولاه من ثلث مال الموالى ان هذا فيما كان التّدبير متبرّعا به فلو كان واجبا بنذر وشبهه فإن كان في مرض الموت لم يتغير الحكم وان كان في حال الصحة فإن كان المنذور هو التدبير فالأظهر انه من الثلث أيضا لأنه لا يصير واجب العتق بذلك بل انما يجب تدبيره فإذا برّه برئ من النذر ولحقه حكم التدبير وان كان قد نذر عتقه بعد الوفاة فهو من الأصل كغيره من الواجبات المالية ومثل نذر الصدقة ونحوها بمال بعد الوفاة وفي تحرير ساويت بين الامرين في خروجه من الأصل ونقله في س عن ظاهر الأصحاب والأظهر الأول انتهى وسيجيء منه مثله في بحث التدبير من هذا الشرح أيضا مع أنه رحمه الله في كتاب الوصايا من شرح الشرائع في بحث تصرفات المريض في شرح قول مصنفه المحقق ان المؤجلة منها حكمها حكم الوصية بالاجماع وكذا تصرفات الصحيح إذا قرنت بما بعد الموت قال إن النذر المقيّد بالموت لا يسمى وصية لكن في الحاقه بالوصية خلاف مشهور فقد قال جماعة انه من الأصل فلا يصح الحكم بكون حكمه حكم الوصية بالاجماع وان كان المختار مساواته لها في الحكم ولا يخفى ان ما اختاره هناك نقيض ما حكم به في الشرحين في بحث التدبير وان
الظاهر هو ذلك كما ذكرنا وما نقله من الخلاف المش لم ار نقله وتفصيل القول فيه في موضع آخر ولا يخفى أيضا ان كلام مصنفه المحقق على ما ذكره يدل على الاجماع على كون حكم النذر المذكور حكم الوصية وهذا بناء على ما هو الظاهر منه ان التشبيه في تمام الحكم السّابق وهو الحكم المقيد بالاجماع ولو عدل عن ظاهره وجعل التشبيه في أصل الحكم لا مع التقييد بالاجماع فيفهم منه انه مختاره الشارح هناك ومثله كلام العلامة رحمه الله في كتبه فإنه قال في عد تصرفات المريض قسمان منجزة ومعلقة بالموت اما المؤاجلة فكالوصية بالاجماع في اخراجها من الثلث وكذا تصرفات الصحيح المقترنة بالموت واما المعجلة للمريض فان كانت تبرعا فالأقرب انها من الثلث ان مات في مرضه وان برئ لزمت اجماعا وقال في السرائر تصرفات المريض قسمان مؤجلة ومنجزة فالمؤجلة ما علق بالموت كالوصية بالمال والتدبير وهي تخرج من الثلث بالاجماع وكذا لو علق الصحيح تصرفه بما بعد الوفاة والمنجزة كالهبة والوقف والابراء والمحابات في البيع وغيره من عقود المعاوضات ان وقعت من المريض وبرئ من مرضه ذلك ثمّ مات أو وقعت من الصحيح وجبت من الأصل بلا خلاف وان وقعت في مرض الموت فقولان أقربهما خروجها من الثلث وكذا إذا وهب في الصحة واقبض في مرض الموت انتهى ولا يخفى ان كلامه صريح في الإجماع على خروج الوصية من الثلث فكأنه ثبت عنده اجماع من عدا علي بن بابويه فلم يعتد بخلافه لكونه معلوم النسب ولا يخفى أيضا ان تصرفات الصحيح المقترنة بالموت كما وقع في عبارة القواعد وكذا ما علقه الصحيح بما بعد الوفاة كما في عبارة السرائر يشمل ما يكون بالنذر وغيره فعدم استثنائه النذر مع أنه بصدد تفصيل الأقسام دليل على شمول الحكم له أيضا فيكون من الثلث بالاجماع كما هو ظاهر العبارة في مقام التفصيل ولا أقل من كونه مختاره أنه لا يقال في التذكرة إشارة إلى هذا الاستثناء فإنه قال التصرف من الصّحيح ان كان منجزا نفذ من الأصل بلا خلاف وان علق بالموت ولم يكن واجبا نفذ من الثلث بلا خلاف وان كان واجبا كالوصية بقضاء الدّين أو الحج الواجب أو الزكاة الواجبة وشبهها نفذ من الأصل اجماعا واما من المريض فإن كان معلقا بالموت مضى من الثلث اجماعا الا فيما علم وجوبه وان كان منجزا فقولان تقدما انتهى فقد حكم فيه بان ما كان واجبا من تصرفات الصحيح المقترنة بالموت يخرج عن الأصل بلا خلاف وهو يشمل النّذر المذكور أيضا ومنه يعلم انّه لا بد من ارتكاب هذا الاستثناء في كلامه في عد والسرائر أيضا الا انه اهمله إحالة على الظهور لأنا نقول إن الظاهر من الواجب الذي ذكره في التذكرة كما يشهد به الأمثلة المذكورة التي ذكرها هو الذي وجب عليه أداؤه في حال الصحة فإذا أوصى به يخرج من الأصل بالاجماع وهذا هو الذي يمكن ان يترك ذكره إحالة على الظهور فإنه بالحقيقة ليس تصرّفا معلقا بالموت لوجوبه عليه قبل الموت
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 469
مساهمون: جمال الدين محمد الخوانساري
ص٤٦٩