بالجواز كما ذكرنا قال في مسئلة أخرى النفخة بحرفين يوجب الإعادة وكذا الأنين والتأوّه ولو كان بحرف واحد لم يبطل وفي المنتهى حكم ببطلان الصّلاة بالنفخ بحرفين معلّلا بأنه كلام فكان مبطلا وكذا في التأوّه والأنين ولم ينقل خلافا فيهما الا عن بعض العامة والظاهر عندي ان النفخ كالتنحنح في عدم تميز الحرفين فيه غالبا وعدم البطلان به لعدم صدق الكلام عليه ولو تميّزهما بحيث يصدق الكلام عليهما فينبغي الحكم بالبطلان إذا كان عامدا فيه من حيث هو كذلك واما إذا كان عامدا في أصل النفخ قاصدا اليه على الوجه المتعارف فاتفق تميّز حرفين فيه فحكمه ما ذكره في التنحنح من الحاقه بالكلام سهوا ويؤيد ما ذكرنا من عدم البطلان بما يظهر من الحرفين في النفخ رواية التهذيب باب كيفيّة الصّلاة من الزيادات عن إسحاق بن عمار عن رجل من بنى عجل قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن المكان يكون فيه الغبار انفخه إذا أردت السّجود فقال لا باس وروايته أيضا فيه عن أبي بكر الخضرمي عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال لا باس بالنفخ في الصّلاة في موضع السجود ما لم يؤذ أحدا فان اطلاق عدم البأس مطلقا أو ما لم يؤذ أحدا مع ظهور حرفين غالبا يشعر بعدم البأس بهما وفي الفقيه أيضا باب ما يسجد عليه وباب ما لا يسجد عليه نقل الروايتين فإنه قال وسأل رجل الصّادق عليه السلام عن المكان يكون فيه الغبار فانفخه إذا أردت السّجود فقال لا باس وفي رسالة أبى رض اليّ ولا تنفخ موضع سجودك فإذا أردت النفخ فليكن قبل دخولك في الصّلاة وروى عن الصّادق عليه السلام أنه قال انما يكره ذلك خشية ان يؤذى من إلى جانبيه انتهى وامّا ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن محمد بن مسلم بسند لا باس به غير انّ فيه محمّد عن الفضل والظاهر أنه محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان كما في الحديث السّابق عليه وفيه كلام مشهور والظاهر صحته عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال قلت له الرّجل ينفخ في الصّلاة موضع جبهته فقال فيحمل على الكراهة كما حملها الشيخ امّا مطلقا كما أطلقه في التهذيب أو إذا أوذي من إلى جانبيه كما ذكره في الاستبصار بقرينة رواية الخضرميّ وفي الفقيه باب وصف الصّلاة من فاتحتها إلى خاتمتها ولا تنفخ موضع سجودك فإذا أردت النفخ فليكن قبل دخولك في الصّلاة فإنه يكره ثلث نفخات في موضع السجود وعلى الرمي وعلى الطعام الحارّ وظاهره انه من تتمة رواية ارسلها قبله عن الصّادق عليه السلام أو مضمون رواية أخرى وهو ظاهر في الكراهة فيشيّد ما ذكرنا ولا يحتاج إلى تأويل فتأمل وامّا الأنين والتّأوّه فالغالب مميّز الحرفين فيهما وصدق الكلام فينبغي الحكم بالبطلان ويؤيد ذلك في الأنين ما سبق من رواية طلحة بن زيد ومرسلة الفقيه من أن في صلاته فقد تكلّم وتحمل على ما خرج حرفان للاتفاق على عدم البطلان لحرفان الواحد لكن هل الحكم فيهما مطلق كما أطلقه جماعة من الأصحاب أو مقيّد بما إذا كان للمتأوّه أو الأنين لا لم ونحوه أو لشيء من أمور الدنيا فلو كان للخشية من اللّه تعالى عند ذكر المخوفات فلا باس به نقل ذلك في المعتبر عن أبي حنيفة واستحسنه قال وقد نقل عن كثير من الصّلحاء التّأوّه في الصّلاة ووصف إبراهيم عليه السّلام بذلك يؤذن بجوازه وفي المنتهى أيضا نقل ذلك عنه ونقل انه احتجّ بانّ اللّه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام بالأوّاه فكان ذكرا والذكر غير مبطل وأجاب عنه بان المدح لا يقتضى جواز فعله في الصّلاة كالمدح على الأفعال الكثيرة الحسنة المنافية للصّلاة كالكلمة الطيّبة ولا يخفى انّ ما نقله عن أبي حنيفة وان كان فاسد الظاهر لانّ مدحه عليه السلام به لا يقتضى كونه ذكرا جائزا في الصّلاة كما ذكره في المنتهى لكن ما فعله من التقييد لا يخلو عن وجه لان التّأوه والأنين من خشية اللّه لا يبعد دخولهما في ذكر اللّه ومناجاة الربّ والتكلّم مع اللّه المستثناة في الاخبار السّابقة واللّه تعالى يعلم وامّا ما يخرج من الحرفين بالبكاء فقال العلامة في نهاية الإحكام البكاء ان كان لأمر الآخرة فلا باس به وان ظهر منه حرفان وان كان لأمور الدنيا بطلت صلاته وان لم ينطق بحرف ولا يخفى
اتجاهه فإنه إذا اطلق جواز البكاء للآخرة بل فضله واستحبابه كما سيجيء وكان الغالب ان يخرج به حرفان كالتنحنح فالظاهر استثناؤهما أيضا هذا مع عدم صدق الكلام عليهما لعدم تميزهما كما في التنحنح ومن هذا يظهر ان ما نقلنا عن النهاية سابقا من جعل البكاء والنفخ كالتنحنح لا بدّ ان يخص بما إذا كان البكاء للآخرة هذا مع عدم تميز الحرفين واما إذا خرج منه حرفان متميّزان محققان لا يدخل فيما استثنى من الذكر ونحوه فالظاهر عدم استثنائه لأنه كلام ليس ممّا لا ينفكّ البكاء غالبا عنه فالمتجه فيه حينئذ ما ذكرنا سابقا في مثلهما من الحرفين في التنحنح من أنه ان كان قاصدا اليهما كان مبطلا والا فكالكلام سهوا غير مبطل بل انما يوجب سجدتي السّهو فتذكر
قوله فان الشرط يعتبر كونه متقدما على المشروط إلى آخره
قلت وذلك كالطّهارة والسّتر والاستقبال فإنها متقدمة على الصّلاة ومقارنة لها والامر هاهنا ليس كذلك إذ التّروك المذكورة لا يتقدم على المشروط وانما يقارنه واعلم أن هذا اى اشتراط التقدم في الشّرط مما اعتبره بعضهم في تفسير الشرط وفي وجوب تقدّم الاستقبال والسّتر تامّل والأظهر كما ذكره بعضهم ان يفسّر الجزء بما اشتمل [ يشتمل ] عليه الماهيّة أو تلتئم منه من الافعال الوجوديّة المتلاحقة والشرط بما سواه ممّا اعتبر في الماهيّة سواء كانت متقدمة أم لا وحينئذ تدخل تلك التروك في الشروط بما سواه مما اعتبر في الماهية سواء كانت من غير تجوّز وقيل الشرط ما يساوق جميع ما اعتبر في الصّلاة والجزء ما يكون معتبرا فيها لا بمساوقة فان الطّهارة والاستقبال تساوق الركوع والسجود وسائر افعال الصّلاة بخلاف الركوع مثلا فإنه لا يصاحب جميع الأفعال وعلى هذا أيضا فلا تجوّز في ادخال التّروك المذكورة في الشروط فتدبّر
قوله وترك الفعل الكثير عادة
ذكر في المنتهى انه يجب عليه ترك الفعل الكثير الخارج عن افعال الصّلاة فلو فعله عامدا بطلت صلاته وهو قول أهل العلم كافة لأنّه يخرج به عن كونه مصلّيا والقليل لا يبطل الصّلاة بالاجماع ثمّ نقل طرفاهما وردّ من تجويز بعض الأفعال القليلة في الصّلاة ولم يحدّ الشارع القلّة والكثرة فالمرجع في ذلك إلى العادة وكلما ثبت ان النّبى ص والأئمة عليه السلام فعلوه في الصّلاة أو أمروا به فهو من غير القليل كقتل البرغوث والحبّة والعقرب وكما روى الجمهور عن النّبى ص انه كان يحمل امامة بنت أبى العاص فكان إذا سجد وضعها وإذ أقام رفعها انتهى ولا يخفى ان الاجماع يكفى حجة للحكم وامّا ما علّله به من أنه يخرج به عن كونه مصلّيا ففيه تامّل لأنه ان أريد به ان التوالي يعتبر عرفا في فعله كل شيء فمع تخلّل الفعل الكثير بين اجزاء فعل لا يصدق عرفا انّه فعل ذلك الفعل بل ينسب اليه فعل كلّ جزء في وقته فالمنع عليه ظاهر بل الظاهر في أكثر الافعال صدق الفعل سواء وقع متواليا أم بفاصلة أم فواصل الا إذا انمحى صورته بالكليّة كما سنذكره وان أريد عدم اطلاق خصوص المصلّى عرفا على من تخلّل الفعل الكثير بين اجزاء صلاته ففيه ان حقيقة الصّلاة ممّا لا يعرفه أهل العرف انه هل يعتبر فيها التوالي أم لا فربما لم يعتبر فيها التوالي كالغسل فكيف يحكمون بخروجه عن كونه مصلّيا بتخلّل الفعل الكثير بين اجزاء صلاته
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 244
مساهمون: جمال الدين محمد الخوانساري
ص٢٤٤